بينما أنهى الوفدان اللبناني والإسرائيلي الجولة السابعة من محادثات روما، بعد ثلاثة أيام من النقاشات حول الحدود والأسرى والمناطق النموذجية وآليات تثبيت الاستقرار في الجنوب، يبقى الامتحان الحقيقي في الداخل اللبناني: هل تستطيع الدولة ترجمة قراراتها السيادية إلى وقائع ميدانية، أم أن منطق السلاح سيبقى قادرًا على تعطيل المؤسسات، كما عطّلت الوصاية السورية يومًا مشروع الاستقلال؟
تدخل مفاوضات روما مرحلة التنفيذ، حيث لم يعد الخلاف على النصوص، بل على تطبيقها ميدانيًا، عبر توسيع المناطق النموذجية وانتشار الجيش اللبناني وانسحاب إسرائيل تدريجيًا. إلا أن هذا المسار يصطدم أيضًا بالواقع نفسه: سلاح ميليشيا "حزب الله"، وبنيته العسكرية، ومخازنه، ورفضه العملي لكل ما يؤدي إلى بسط سلطة الدولة الكاملة، بالتوازي مع حملة سياسية متواصلة لتشويه "صيغة الإطار" والتشكيك بها.
دخل الملف اللبناني جدول الاهتمامات الإقليمية والدولية، وتحوّل إلى أحد مفاتيح إعادة رسم خرائط الاستقرار في الشرق الأوسط. ومن هذا المنطلق، سيحضر في القمة التي تجمع اليوم في البيت الأبيض الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
فيما المنطقة تغلي مع احتمالية عودة الحرب بين إيران والولايات المتحدة الأميركية، يعيش لبنان اليوم التالي لقمة ترامب – عون ويدخل مرحلة سياسية جديدة عنوانها ترجمة نتائج قمة واشنطن.
انتصر المسار الدبلوماسي على منطق الحرب، موجّهًا ضربة سياسية قاسية إلى مشروع ميليشيا "حزب الله" الذي بنى شرعيته لعقود على مقولة إن البندقية وحدها تصنع الإنجازات. فميزان السياسة بدأ يميل لمصلحة الدولة، واللقاء التاريخي اليوم بين رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون والرئيس الأميركي دونالد ترامب، وعلى الرغم من كل حملات التشكيك والتشويش، ليس إلا محطة مفصلية في تاريخ الجمهورية اللبنانية التي تبدو أمام فرصة ذهبية لترجمة هذا التحول إلى مسار سياسي وسيادي متكامل.
كل المؤشرات تدل على أن الهدنة بين الولايات المتحدة وإيران قد انهارت فعليًا، وأن المنطقة دخلت مرحلة شديدة الخطورة عنوانها التصعيد المفتوح مع انضمام ساحات جديدة الى الصراع وتحديدًا اليمن فيما هامش الحركة أمام إيران وحلفائها يضيق تدريجًا.
لبنان أمام منعطف سياسي وأمني بالغ الخطورة، والاستحقاقان المنتظران خلال الأسبوعين المقبلين، والمتمثلان في لقاء الرئيس جوزاف عون بالرئيس الأميركي دونالد ترامب في البيت الأبيض في 21 تموز، وجولة المفاوضات المرتقبة في روما الأسبوع المقبل.
لم يعد عامل الوقت يعمل لمصلحة لبنان، فالأيام الأحد عشر التي انقضت على توقيع صيغة اتفاق الإطار اللبناني - الإسرائيلي برعاية أميركية مباشرة، من دون أن يترجم حتى الآن إلى خطوات ميدانية، تزيد من المؤشرات على وجود محاولات لعرقلة انطلاقته.
صدّرت الزيارة الثانية لوزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى لبنان المشهد الداخلي، في لحظة إقليمية دقيقة أعقبت طلب الرئيس الأميركي دونالد ترامب من الرئيس السوري أحمد الشرع انخراط دمشق في الملف اللبناني، ولا سيما في ما يتصل بسلاح "حزب الله".
ما كُتب ووُقّع في واشنطن لم يعد قابلا للمحو بالتهويل ولا باستحضار قاموس التخوين والفتنة الذي اعتادت عليه منظومة الممانعة كلما خسرت جولة.
تنطلق الجولة الخامسة من المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية في واشنطن برعاية أميركية، حيث سيجتمع وفدا البلدين، السياسي والعسكري، على وقع إصرار لبناني كامل على نقطتين أساسيتين: تثبيت وقف إطلاق النار والانسحاب الإسرائيلي، تمهيداً لتحول سياسي عنوانه عودة الدولة اللبنانية إلى موقع القرار والتفاوض.
العقوبات الجديدة التي فرضتها وزارة الخزانة الأميركية على 3 أفراد و5 كيانات مرتبطة بـ"حزب الله"، بينهم رئيس تيار المردة سليمان فرنجية ونائب رئيس المجلس السياسي لحزب الله محمود قماطي ووائل قسطنطين، ليست مجرد إجراء عادي.
أطل علينا نظام الملالي وذراعه اللبنانية، الميليشيا المحظورة عسكريًا، برواية انتصار لا تشبه إلا الخيال السياسي، وكأن آلاف القتلى والجرحى، والبلدات المدمّرة، والمليون مهجّر، مجرّد تفاصيل هامشية لا تستحق الذكر.
في خضمّ التطورات الإقليمية الثقيلة، اتجهت الأنظار إلى المملكة العربية السعودية وقرار ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بإعادة فتح الأسواق السعودية أمام الصادرات اللبنانية، الذي شكّل بارقة أمل للدولة ومؤسساتها.
بينما كانت الصواريخ تتقاطع فوق سماء لبنان، وتتزايد المخاوف من الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة بين إسرائيل وإيران، أثبتت واشنطن، بقيادة الرئيس دونالد ترامب، أنها الجهة الوحيدة القادرة على صناعة الوقائع ورسم حدود الاشتباك، واضعة حدًا لمسار تصعيدي كانت طهران تدفع المنطقة إليه بلا حساب.
اتُّخذ القرار الحاسم، برعاية أميركية مباشرة ودعم دولي وعربي: لا سلاح خارج الشرعية اللبنانية، ولا انسحاب إسرائيلي من جنوب لبنان إلا بعد تفكيك البنية العسكرية لـ "حزب الله"، ولا مكان لإيران في لبنان.
إذا كان للتجارب القاسية التي مرّ بها اللبنانيون درس ثابت، فهو أن "حزب الله" لم يكن يومًا شريكًا في أي مسار يؤدي إلى قيام دولة فعلية قوية وقادرة، بل كان في كل محطة مفصلية ينقضّ على التسويات والاتفاقات كلما شعر بأن الدولة قد تستعيد قرارها أو أن المؤسسات قد تسترد شيئًا من سلطتها المصادَرة.
في مشهدٍ غير مسبوق منذ عقود، تتقاطع المواقف العربية والدولية والروحية حول عنوان واحد: دعم الدولة اللبنانية في مواجهة من صادر قرارها لعقود وألحق بها دمارًا هائلًا سياسيًا ومؤسساتيًا واقتصاديًا.