دخل لبنان وللمرة الأولى منذ عقود، مسار السلام الفعلي. لحظة مفصلية تُسجَّل في تاريخ الجمهورية اللبنانية، خرج فيها لبنان من ظلّ الهيمنة الإيرانية التي صادرت قراره، وزجّت به في حروب عبثية.
لم تكن المبادرة التي أطلقها رئيس الجمهورية جوزاف عون والتي تقضي بالدعوة إلى مفاوضات مباشرة مع إسرائيل برعاية دولية، مجرّد محطة عابرة في خضمّ الحرب والانهيار الحاصل، بل شكّلت حجر زاوية في مسار يتدحرج نحو إعادة رسم العلاقة بين لبنان وإسرائيل.
في زمن الآلام، وعلى درب الجلجلة، حيث يُستعاد مشهد الصلب كأقصى تعبير عن الظلم والخلاص معًا، يبدو لبنان وكأنه وطن مصلوب بين صراعٍ إقليمي لا يرحم، ودولة مُكبلة بسلاح خارج شرعيتها، وشعب يتجرّع مرارة الانهيار والنزوح والخذلان.
غداة جلسة مجلس الوزراء أول من أمس الخميس حيث جرى تثبيت طرد السفير الإيراني محمد رضا شيباني من لبنان في مهلة تنتهي غدًا الأحد، أعلنت الخارجية الإيرانية أمس عن اتصال الوزير عباس عراقجي برئيس مجلس النواب نبيه بري.
بعد جلسة الحكومة أمس بدا أن وزراء "الثنائي الشيعي" ليسوا فقط خارج الجلسة، بل خارج مسار الدولة نفسها. وغيابهم، بدل أن يشلّ القرار، كشف بوضوح من يعرقل قيام الدولة ومن يحاول إنقاذها.
دخلت أمس الحرب التي فرضتها عصابة "حزب الله" الإيرانية على لبنان في الثاني من آذار الجاري منعطفًا جديدًا بعدما أنجزت إسرائيل تدمير كل الجسور التي تصل ما بين جنوب نهر الليطاني وشماله وآخرها وأبرزها جسر القاسمية الساحلي غرب صور.
مع تصاعد وتيرة الضربات الإسرائيلية يراوح مكانه مسار المفاوضات المباشرة التي أعلن مجددًا رئيس الجمهورية عن التمسك به وكذلك رئيس الحكومة الذي تلقى اتصالًا من الرئيس الفرنسي جدد خلاله دعم فرنسا للبنان على الصعيدين السياسي والإنساني.
بدأت عصابة "حزب الله" اللجوء إلى الألعاب القذرة وتهديد "أمن الدولة" ببيان مزوّر عبر إحدى أدواتها الإعلامية باسم "الضباط الوطنيون". وأمام هذه المحاولة المكشوفة لخلق الفتنة وإعادة تجربة "حرب السنتين" وانقسام الجيش، أكدت مصادر مسؤولة أن الزمن تخطاها.
تشير مصادر رسمية لـ "نداء الوطن" إلى أن التصعيد الميداني الأخير، أتى ليرسم ملامح الرد، موحيًا بأن "الحزب" قد آثر الميدان على مبادرة عون عبر توسيع رقعة الاشتباك؛ في وقتٍ يرفض فيه الجانب الإسرائيلي المضيّ في أي مسار تفاوضي تحت وطأة التهديد القائم.
علمت "نداء الوطن" أن اتصالات بعبدا بالدول الصديقة ستتوسع اليوم وذلك من أجل الوصول إلى وقف إطلاق النار والعودة إلى المفاوضات. وأشارت المعلومات إلى أن كل اتصالات الوسطاء مع إسرائيل فشلت ولا يوجد أي نية إسرائيلية لوقف حربها خصوصًا أنها تتمتع بغطاء أميركي كبير.
اصطدمت المحاولة الفرنسية للدخول على خط إنهاء هذه الحرب بحاجز رفض "حزب الله" تسليم سلاحه كشرط لإنهاء الحرب. وعليه، بات واضحًا أن إسرائيل ماضية قدمًا في عملياتها العسكرية التي وصلت أمس إلى مواقع "الحزب" في البقاع بضوء أخضر أميركي وفق معلومات مصادر بارزة لـ "نداء الوطن".
في اليوم الثاني للحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران، سجل استنفار رسمي تام لتجنب أي خطوة غير محسوبة النتائج في ظل التباس وازدواجية واضحة في موقف «حزب الله» الذي يؤكد تفادي الانخراط من جهة ويشدد من جهة أخرى على أن الوفاء للخامنئي مستمر في ميادين الجهاد والمقاومة.
دخل لبنان مع المنطقة في عد عكسي للحسم الأميركي الإيراني، في موازاة دخوله في عد عكسي للحسم الانتخابي. وسألت أوساط سياسية بارزة عبر "نداء الوطن": ماذا سيفعل «حزب الله» إذا نشبت الحرب؟ وهل يكفي أن يقول رئيسا الجمهورية والحكومة إن قرار الحرب والسلم بيد الدولة؟ وماذا لو طلبت إيران من «حزب الله» توسيع الحرب والذهاب إلى إسنادها؟
ما بين رفع السقوف الأميركية والمراوغة الإيرانية يصبح لبنان أكثر من مجرد متلقٍ للنتائج. فهو أحد ميادين التفاوض غير المعلَن بحكم وجود "حزب الله" وبما تبقى له من سلاح يشكل جزءًا من منظومة ردع إقليمية حتى ولو ضعفت وتضاءلت، تتقدم حين تحتاج طهران إلى رفع السقف، وتهدأ حين تقرر خفضه.
تحمل تطورات الأسبوع الحالي عنوانًا أمنيًا للأحداث في لبنان بدأت ملامحه تتشكل بالغارات الإسرائيلية نهاية الأسبوع المنصرم والتي أدت إلى مصرع عدد من قيادات "حزب الله" في البقاع و "حماس" في مخيم عين الحلوة.
دان رئيس الجمهورية جوزاف عون امس بشدة الغارات التي نفذتها إسرائيل اول من امس من البر والبحر، مستهدفة منطقة صيدا وبلدات في البقاع، معتبراً أن "استمرار هذه الاعتداءات يشكّل عملاً عدائياً موصوفاً لافشال الجهود والمساعي الديبلوماسية التي يقوم بها لبنان مع الدول الشقيقة والصديقة وفي مقدمها الولايات المتحدة الاميركية لتثبيت الاستقرار ووقف الأعمال العدائية الاسرائيلية ضد لبنان".
علمت "نداء الوطن" أن اتصالات بعبدا بلغت الذروة بالأمس لأن الوضع بات ينذر بانفجار إقليمي. وتحركت الاتصالات مع الأميركيين بشكل خاص ومع أطراف دولية أخرى، ولم يحصل لبنان على جواب دقيق حول تطورات الأيام المقبلة، بل كانت النصيحة بعزل لبنان عن أي تدخل في الحرب لأن الثمن سيكون كبيرًا.
تحولات مفصلية تقودها الولايات المتحدة في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، بدءًا من افتتاح مجلس السلام للعمل من أجل مستقبل مبهر لغزة، مرورًا بالمؤشرات إلى اقتراب توقيت انفجار مواجهة مع إيران بعد انسداد أفق المفاوضات، وصولًا إلى لبنان الذي حضر في كلمة الرئيس الأميركي دونالد ترامب.