قد لا تكون مخاوف اللبنانيين اليوم من أن تتجدّد الحرب الأهلية ومآسيها كما يحاول البعض أن يشيع، بقدر ما هم قلقون من ألّا تكمل الدولة مهمتها في وقف آلة القتل بالكلمة إن لم يكن بالسلاح. هذه الآلة التي حصدت في جولتي الحرب الأخيرتين نحو عشر ما حصدته الحرب "الأهلية" في 15 سنة وفقًا لأرقام غير رسمية، فخسر لبنان نتيجة المغامرة غير الشرعية بقرارات الحرب الإجماع الوطني حول ذكرى التحرير، كما خسر الأرض، ولا يزال هناك من يرى في السلاح غير الشرعي حماية للبنانيين.
هناك عقلية أمنية، تقول إن البدء ببيروت العاصمة، كمنطقة منزوعة السلاح، يأتي أيضًا من منطلق سياسي، بمعنى أن أهل العاصمة أنفسهم يريدون الدولة، وهو ما يسهل على الدولة مهمتها على عكس مناطق أخرى تؤيّد الدويلة، أو أقله تخضع لسلطة الدويلة بشكل مباشر كالضاحية.
منذ انخراط "حزب الله" في حرب إسناد غزة، وصولًا إلى تمدّد مواجهته مع إسرائيل إثر مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي، علق ممثلو الشعب اللبناني خارج قبة البرلمان وداخلها بين الجمود والتمديد. لم يشترك النواب في أي قرار يتعلق بالحرب وإيقافها. حتى عندما حمل رئيس المجلس على كتفه اتفاقية إنهاء العمليات العسكرية إثر موجة الحرب الأولى، تجنب نقل النقاش حول هذا الاتفاق إلى داخل المؤسسة التي يرأسها.
ما يكسب هذا التعطيل ثقله الإضافي هو غياب البدائل لمعبر المصنع البري في منطقة البقاع. فمعابر لبنان الأخرى إما غير مجهّزة لاستقبال البضائع، كما في القاع، أو متوقفة منذ أشهر، كما في العريضة والدبوسية. وهو ما يجعل معبر المصنع فعليًا المنفذ البري الوحيد العامل للبنان. وبالتالي فإن إقفاله يلامس حدود فرض الحصار البرّي الواقعي على لبنان.
بيّنت دراسة بعنوان "إدمان الهاتف المحمول وعلاقته بجودة النوم والتحصيل الدراسي لدى الطلاب (2025)" ، ومنشورة في مجلة أبحاث الإنترنت الطبية (2025)" أن الإدمان على الهاتف المحمول يرتبط بشكل واضح بسوء جودة النوم لدى الطلاب،
طلاب المدارس الرسمية هم الضحية الفعلية، فعدد هؤلاء لا يتخطى 20 % من مجمل طلاب لبنان، وهم الفئات الأكثر تهميشًا حتى من دون حرب ومشاكل. يتعلمون ثلاثة أو أربعة أيام في الأسبوع بدلا من خمسة كطلاب المدارس الخاصة، هذا عدا الإضرابات وهم اليوم يدفعون الثمن عن لبنان كله حيث اضطروا لإخلاء مدارسهم نتيجة ضغط النزوح الكبير في بيروت والاضطرار لفتح مراكز إيواء .
بيروت اليوم تحوي العدد الأكبر من النازحين نسبة لحجمها، ومنذ النزوح الأول لأهل الجنوب، وما تبعه من نزوح أهالي الضاحية بعد الإخلاءات شبه الكاملة فيها، حملت بيروت وتحديدًا ما يعرف ببيروت الثانية، الثقل الأكبر من النزوح لبنانيًا. وبالأرقام، يوضح المسؤول الإعلامي في غرفة إدارة الكوارث في بيروت، الملازم فادي بغدادي، أنه في بيروت هناك 141 مركز إيواء، تضم 45950 شخصًا، أي 11904 عائلات في آخر التحديثات. وعن النازحين الذين يفترشون الطرقات، يوضح أننا "نقلنا جزءًا منهم إلى عكار والبقية ترفض الانتقال للبقاء قرب منازلها في الضاحية".
حسم مجلس شورى الدولة الجدل. وبإبطاله قرار مجلس الوزراء ثبّت مبدأ أساسيًا، وهو أنه لا يمكن للدولة، بصفتها راعيًا لمؤسسات عامة، أن تضع نفسها أو من تديرهم فوق القانون. فبراءة الذمة ليست استثناءً يُمنح عند الحاجة، بل التزام يُستحق عند التنفيذ. وأي مساس بهذا المبدأ من شأنه أن يحوّل هذا المستند من أداة إلزام قانوني إلى إجراء شكلي قابل للاستثناء. وهذا لا يهدد حقوق الأجراء فقط، وإنما يفتح الباب أمام تقويض نظام الضمان الاجتماعي برمّته.
الممتلكات المتروكة التي خلّفتها المجتمعات اليهودية التي اندثرت في لبنان وسوريا والتي تُقدَّر قيمتها بمليارات الدولارات تدخل بهدوء في حسابات الدبلوماسية الإقليمية. ويتضمن المقال مقابلة حصرية مع Peter Geffen، وهو مربٍ وقائد مجتمعي يهودي.
لا يزال بعض الغربيين صامدين في بيروت لا سيما الملتزمين منهم بمهمة تبشيرية أو إنسانية. فهؤلاء، إيمانهم أقوى من الحروب لا بل ينمو ويزداد في الظروف الأشد قسوة. ويبذل قساوسة من هولندا أو ألمانيا وعاملون إنسانيون من السويد والدانمارك الجهود في لبنان من أجل الإنسان دون النظر إلى " بيئته" ضمن مؤسسات دينية ومنظمات إنسانية. ولم يرحل بعض الغربيين لارتباطات عائلية ، فكيف تترك سيدة طليانية زوجها اللبناني في جحيم الحرب وتغادر إلى بلدها الأم؟
لا يمكن مقاربة موضوع النزوح الجديد من دون قياسه بحجم الكارثة الاجتماعية التي يخشى أن يولدها. خصوصًا أن المناطق المضيفة نفسها لم تعد محصّنة. وقد تفاقم ضيقها من جراء تجدد الحروب وموجات النزوح. وترجم هذا الضيق برفض استقبال النازحين الجدد، ليس بدافع تراجع التضامن المجتمعي، وإنما نقمة على تفرد "حزب الله" في قرارات الحرب متلطيًا ببيئته الداعمة، وخوفًا من تمدد خطر الحرب إلى المجتمعات المضيفة، أو من تداعيات ما بعدها.
الجولة الجديدة من التصعيد، التي بدأت بإطلاق "حزب الله" ستة صواريخ باتجاه شمال إسرائيل انتقامًا لمقتل خامنئي، أعادت بنية الاتصالات في مختلف مناطق الجنوب إلى دائرة الخطر مجددًا. وها هي الأنفاس تحبس، ترقبًا لما قد تتعرض له اليوم، أسوة بكل البنى التحتية والممتلكات المدنية، خصوصًا أن جولة الحرب الجديدة هذه المرة تبدو أشد وطأة من السابقة.
في زمن الحروب لم تعد الجبهات محصورة بالصواريخ والمسيرات ولا حتى بالمعلومات الاستخباراتية وتحليل الداتا، بل اتسعت لتشمل فضاء رقميًا لا تقل معاركه ضراوة عن ساحات القتال. تحولت وسائل التواصل الاجتماعي إلى ساحة حرب موازية تتصارع فيها المنشورات والصور والفيديوات وتدار عبر خوارزميات معقدة قادرة على توجيه ما يراه المتلقي وما يصدقه. وفي خضم هذا الفضاء الرقمي، برز دور المؤثرين الذين تحوّل بعضهم إلى ما يشبه "أبواقًا مضخمة" للرسائل السياسية والدعائية، و تكثفت الحملات المنظمة التي تستخدم هؤلاء لتوجيه العواطف الجماعية وتغذية الانقسامات السياسية والطائفية.
أفاد مصدر موثوق في وزارة الزراعة اللبنانية في اتصال مع "نداء الوطن" أن ما يلاحظه المواطنون من بعض النقص في اللحوم ، ليس سببه الأزمة العسكرية المستجدة في لبنان والمنطقة، بل هو ناجم عن مرض اجتاح المواشي في مصادر إنتاجها وهو الحمى القلاعية التي خفّضت التصدير بشكل كبير ما أثر على المخزون في الدول المستوردة. لكن هذه الحمى بدأت تتلاشى اليوم وعادت سفن المواشي للوصول إلى لبنان بشكل منتظم ، وقد شهد الأسبوع الماضي ،وفق المصدر المذكور ، دخول ثلاث بواخر. ويشهد الأسبوع الحالي وصول ثلاث بواخر أخرى ما يعني عودة استقرار الكميات في السوق.
لا تشبه حرب 2026 في لبنان، أو حرب إسناد إيران، حرب 8 أكتوبر 2023، أو حرب "إسناد غزة"، وذلك على مستويين اثنين بارزين: أولًا توسيع إسرائيل بقعة هجماتها لا سيما في بيروت الإدارية، لتطول فنادق لبنانية. وثانيًا، بروز دور الحرس الثوري الإيراني.
عين الرمانة، التي تحمل ذاكرة الحرب الأهلية في وجدانها الجماعي، ليست الضاحية الجنوبية، ولا يمكن التعامل معها كأنها ساحة مفتوحة لأي تنظيم أو قوة. وأبناء المنطقة الذين أوقفوا الشخصين لم يفعلوا ذلك إلّا انطلاقًا من خشية مشروعة على أمن منطقتهم. وأي محاولة لاستخدامها كأرض لنقل الرسائل أو لإدارة مهمات سرية، تحت أي عنوان كان، هي مغامرة خطيرة قد تعيد فتح جروح يعرف اللبنانيون جيدًا ثمنها.
لم تعد الوظيفة "الأمنية" لحدود لبنان وسوريا بالنسبة لـ "حزب الله"، خاضعة للمعادلات نفسها التي حكمتها في عهد نظام بشار الأسد. لا بل انقطع وصل هذه المعابر التي استخدمت لفترة طويلة كجسر للإمدادات اللوجستية الأساسية لـ "الحزب". ليجد الأخير نفسه بعد سنتين من سقوط بشار بعزلة تامة.
يظهر أن أزمة الأدوية المخصصة للأمراض المزمنة في لبنان ليست ظرفًا عابرًا، وإنما ظاهرة معقدة ذات أبعاد اقتصادية وصحية ونفسية تؤثر بشكل مباشر على المرضى ورفاههم، ولا تزال تفتقد إلى رؤية تحليلية للواقع بأرقامه ونسبه، للخروج بحلول مستدامة. فعلى سبيل المثال، أشارت دراسة تحليلية واسعة نشرت في مجلة The Lancet إلى أن لبنان سجل أعلى ارتفاع في معدلات الإصابة والوفيات بمرض السرطان في العالم بين عامي 1990 و 2023 مقارنة بــ 204 دول.
الحقيقة الأعمق هي أن البلديات ليست سوى متلقية لنتائج حرب لم يخترها معظم اللبنانيين، ولا كانت خيار سلطتها الشرعية. فثمة "ميليشيا" تورّطت في حروب الآخرين، وورّطت معها الجميع، ولم يعد بيد الدولة ومؤسساتها، ومن ضمنها البلديات، سوى تدبّر النتائج، والحفاظ على ما تبقى من أمن مجتمعاتها.