إن الأبرز في الحرب الأخيرة ما يشهده الميدان من تقييد للحريات في المناطق التي تسيطر عليها بيئة "حزب الله" تحديدًا. هناك، يُمنع تصوير نتائج الحرب أو الدخول إلى المناطق إلا بإذن مسبق من "الجهات المحلية". ومن يتجاوز هذا "العرف" الذي فرض بالترهيب النفسي، يجد نفسه عرضة للاعتداء والمنع، كما شاهدنا مرارًا على الشاشات مباشرة.
نحو 1.4 مليون عامل وموظف في لبنان، بينهم 280 ألفًا في القطاع العام، يعيشون اليوم تحت ضغوط هائلة تتجاوز قدرتهم على الاحتمال. فالحرب الأخيرة التي تسبّبت في خسائر تقدر كلفتها بحوالى 5.5 مليارات دولار، والتضخم الذي بلغ 25 % منذ بداية العام وفق ما يشير إليه الباحث في الدولية للمعلومات محمد شمس الدين، وأزمة النزوح التي طالت حوالى 1،5 مليون مواطن لبناني ليست كلّها سوى خلفية قاسية لحياة يوميّة تتآكل فيها الأجور تدريجيًا.
فيما كان لبنان يعيش ويتنفس وتصاغ سياساته وصراعاته فوق الأرض، كان هناك لبنان آخر يحفر ويتسلح ويتوسع تحت الأرض ليصبح دولة بديلة تبني قدراتها العسكرية واللوجستية والبشرية خارج الأطر التقليدية. بين "لبنان المرئي" و"لبنان الخفي" تشكلت على مدى أربعين عامًا ونيف، صورة بلد يعيش ازدواجية غريبة: بلد على السطح يسعى للحياة والازدهار، وآخر في الأنفاق يتحضر للموت ويستعد لاحتمالات الحرب. الحروب الأخيرة أخرجت إلى العلن بعض ما كان خفيًا تحت الأرض وكشفت وجهًا مخيفًا ما كان أحد يعرف له ملامح.
خلال مواكبة الصحافيين انسحاب آخر عنصر من الجيش السوري من لبنان في 26 نيسان من العام 2005، لم نصدّق، نحن مجموعة من الزملاء، أننا فعلًا شهود على نهاية ثلاثين عامًا من الوصاية التي فرضت نفسها على الحياة السياسية والأمنية في البلاد. لم يكن أحد يجرؤ، قبل هذا التاريخ، على مخاطبة ولو جندي سوري. كانت هيبة كل ضابط أو حتى عنصر مستمدّة من نظام فرض حضوره بأدوات الاحتلال، وسيطر على القرار السياسي والأمني، ليتمدّد تأثيره حتى على الاقتصاد والمجتمع.
إن المرجع الحدودي الوحيد للبنان هو خط الحدود الدولية. وعلى لبنان التمسّك بهذه الحدود الدولية الموثقة في اتفاقية Paulet–Newcombe Agreement، الموقعة في عهد الانتداب الفرنسي بين فرنسا وبريطانيا في آذار 1923، والمصادَق عليها من قبل عصبة الأمم المتحدة في 4 شباط 1924، والتي جرى توثيقها لاحقًا عبر اتفاق الهدنة الموقع بين لبنان وإسرائيل في 23 آذار 1949.
لم يعد اشتباك دويلة "حزب الله" وإعلامه مقتصرًا على مستوى اتهام خصومه من أحزاب وسياسيين بل ومسؤولين لبنانيين بـ "العمالة" تحت شعار "صهيوني"، فها هو ينزلق لمحاربة مؤسسات الدولة اللبنانية نفسها، في أوضح صورة عن محاربة الدويلة للدولة، والتي تمثلت بحملة تحريضية على جهاز شعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي وتحديدًا فرع بيروت، لتنفيذه أمرًا قضائيًا، داخل شقة في الأشرفية، وصولًا لاتهام الشعبة "بالعمالة عبر تسريب داتا المواطنين لجهات خارجية"، لطلبها هويات مواطنين لبنانيين!
خرج الطقس في لبنان هذا العام عن إيقاعه المعتاد. فـ "الشتوية" تبدو وكأنها "لازقة" رغم تقدّم أيام الربيع، والأمطار لا تزال تتساقط في فصح الموارنة كما في فصح الروم وما بعدهما، وتتبعها غيوم داكنة ورعود مدوّية، في مشهد يوحي وكأن الطبيعة نفسها قد عقدت تحالفًا مع رمادية الواقع لإطالة زمن التلبّد في أجوائنا المناخية والنفسية. سؤال يتكرّر على ألسنة اللبنانيين: ماذا يحدث؟ ولماذا يطول الشتاء هذا العام، فيما لم يمضِ وقت طويل على سنة جفاف وُصفت بأنها من الأقسى؟
وفقًا لتقديرات بلدية سحمر، تجاوز حجم الأضرار فيها هذه المرة ما خلفته الجولة السابقة، حين قدرت بنحو 200 وحدة سكنية، إلى جانب اختفاء أثر 90 وحدة أخرى. ووفقًا أيضًا لرئيس البلدية محمد الخشن، فمن بين أكثر من 400 مؤسسة ومعمل في البلدة هناك نحو خمسين بالمئة منها تعطلت كليًا. ومع هذا الانهيار في البنى التحتية والفوقية، تعطّلت إمكانية الاستقرار في البلدة ولو لفترة الهدنة المستقطعة، كما حصل عقب جولة الحرب التي سبقتها. وهذا ما وضع سحمر في صفوف المدن الجنوبية التي نكبها تورط "حزب الله" في حربه الأخيرة، وفرض على أهلها التشرد.
ليلة من الرعب والترويع عاشها سكان المناطق المحيطة بالضاحية الجنوبية، من عين الرمانة والحدث و كفرشيما وصولاً الى بعبدا والحازمية المنصورية، أثارتها احتفالات خرقاء بنصر موهوم احتفى به "حزب الله" بالنار في مختلف أحياء الضاحية الجنوبية.
ارتفعت شعبية رئيس الحكومة نواف سلام بشكل غير مسبوق اليوم، على المستوى الشعبي عمومًا، وكذلك المستوى البيروتي، وحتى في المناطق حيث نفوذ "تيار المستقبل". إذ إن يافطات رفعت في الطريق الجديدة كشارع أبو سهل وغيره.
بعد كسر تابو اللقاء، قد لا يكون العائق في المفاوضات حصرًا، بقدر ما هو في الالتزام بنتائجها. وهذا تحديدًا يتطلب قدرة على تكوين قناعة وطنية موحدة بأن الخطر الحقيقي على لبنان ليس في قبول الهزيمة، بل في إنكارها الذي يستمر بدفع شباب لبنانيين ولبنان عمومًا إلى الموت العبثي أو حتى الانتحار.
العصف المأكول، زئير الأسد، الظلام الأبدي، مقلاع داوود، أولي البأس، آخر الزمان، قورش، هامان، هارمجدّون، البقرة الحمراء، العماليق، الهيكل الثالث، يأجوج وماجوج، قوس عيلام... تعابير تبدو غريبة لم نسمع بمعظمها سابقًا في خضم حياتنا العصرية التي يحكمها المنطق والتكنولوجيا لكنها تعود إلى الواجهة لتصبح جزءًا من سرديات الحرب بين أميركا وإيران وإسرائيل و "حزب الله".
قد لا تكون مخاوف اللبنانيين اليوم من أن تتجدّد الحرب الأهلية ومآسيها كما يحاول البعض أن يشيع، بقدر ما هم قلقون من ألّا تكمل الدولة مهمتها في وقف آلة القتل بالكلمة إن لم يكن بالسلاح. هذه الآلة التي حصدت في جولتي الحرب الأخيرتين نحو عشر ما حصدته الحرب "الأهلية" في 15 سنة وفقًا لأرقام غير رسمية، فخسر لبنان نتيجة المغامرة غير الشرعية بقرارات الحرب الإجماع الوطني حول ذكرى التحرير، كما خسر الأرض، ولا يزال هناك من يرى في السلاح غير الشرعي حماية للبنانيين.
هناك عقلية أمنية، تقول إن البدء ببيروت العاصمة، كمنطقة منزوعة السلاح، يأتي أيضًا من منطلق سياسي، بمعنى أن أهل العاصمة أنفسهم يريدون الدولة، وهو ما يسهل على الدولة مهمتها على عكس مناطق أخرى تؤيّد الدويلة، أو أقله تخضع لسلطة الدويلة بشكل مباشر كالضاحية.
منذ انخراط "حزب الله" في حرب إسناد غزة، وصولًا إلى تمدّد مواجهته مع إسرائيل إثر مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي، علق ممثلو الشعب اللبناني خارج قبة البرلمان وداخلها بين الجمود والتمديد. لم يشترك النواب في أي قرار يتعلق بالحرب وإيقافها. حتى عندما حمل رئيس المجلس على كتفه اتفاقية إنهاء العمليات العسكرية إثر موجة الحرب الأولى، تجنب نقل النقاش حول هذا الاتفاق إلى داخل المؤسسة التي يرأسها.
ما يكسب هذا التعطيل ثقله الإضافي هو غياب البدائل لمعبر المصنع البري في منطقة البقاع. فمعابر لبنان الأخرى إما غير مجهّزة لاستقبال البضائع، كما في القاع، أو متوقفة منذ أشهر، كما في العريضة والدبوسية. وهو ما يجعل معبر المصنع فعليًا المنفذ البري الوحيد العامل للبنان. وبالتالي فإن إقفاله يلامس حدود فرض الحصار البرّي الواقعي على لبنان.
بيّنت دراسة بعنوان "إدمان الهاتف المحمول وعلاقته بجودة النوم والتحصيل الدراسي لدى الطلاب (2025)" ، ومنشورة في مجلة أبحاث الإنترنت الطبية (2025)" أن الإدمان على الهاتف المحمول يرتبط بشكل واضح بسوء جودة النوم لدى الطلاب،
طلاب المدارس الرسمية هم الضحية الفعلية، فعدد هؤلاء لا يتخطى 20 % من مجمل طلاب لبنان، وهم الفئات الأكثر تهميشًا حتى من دون حرب ومشاكل. يتعلمون ثلاثة أو أربعة أيام في الأسبوع بدلا من خمسة كطلاب المدارس الخاصة، هذا عدا الإضرابات وهم اليوم يدفعون الثمن عن لبنان كله حيث اضطروا لإخلاء مدارسهم نتيجة ضغط النزوح الكبير في بيروت والاضطرار لفتح مراكز إيواء .
بيروت اليوم تحوي العدد الأكبر من النازحين نسبة لحجمها، ومنذ النزوح الأول لأهل الجنوب، وما تبعه من نزوح أهالي الضاحية بعد الإخلاءات شبه الكاملة فيها، حملت بيروت وتحديدًا ما يعرف ببيروت الثانية، الثقل الأكبر من النزوح لبنانيًا. وبالأرقام، يوضح المسؤول الإعلامي في غرفة إدارة الكوارث في بيروت، الملازم فادي بغدادي، أنه في بيروت هناك 141 مركز إيواء، تضم 45950 شخصًا، أي 11904 عائلات في آخر التحديثات. وعن النازحين الذين يفترشون الطرقات، يوضح أننا "نقلنا جزءًا منهم إلى عكار والبقية ترفض الانتقال للبقاء قرب منازلها في الضاحية".
حسم مجلس شورى الدولة الجدل. وبإبطاله قرار مجلس الوزراء ثبّت مبدأ أساسيًا، وهو أنه لا يمكن للدولة، بصفتها راعيًا لمؤسسات عامة، أن تضع نفسها أو من تديرهم فوق القانون. فبراءة الذمة ليست استثناءً يُمنح عند الحاجة، بل التزام يُستحق عند التنفيذ. وأي مساس بهذا المبدأ من شأنه أن يحوّل هذا المستند من أداة إلزام قانوني إلى إجراء شكلي قابل للاستثناء. وهذا لا يهدد حقوق الأجراء فقط، وإنما يفتح الباب أمام تقويض نظام الضمان الاجتماعي برمّته.
الممتلكات المتروكة التي خلّفتها المجتمعات اليهودية التي اندثرت في لبنان وسوريا والتي تُقدَّر قيمتها بمليارات الدولارات تدخل بهدوء في حسابات الدبلوماسية الإقليمية. ويتضمن المقال مقابلة حصرية مع Peter Geffen، وهو مربٍ وقائد مجتمعي يهودي.