الحالة الاستثنائيّة تتطلّب تدابير استثنائيّة. وعلى ما يبدو حتى هذه اللحظة فإنّ السلطة في لبنان ما زالت تكابر ولا تريد الاعتراف بالواقع الذي آلت إليه الأمور. والمفارقة تكمن في أنّ هذه السلطة لم تكفّ البحث عن طرق للالتفاف على ما يحدث في ساحات لبنان. بالتّرغيب حيناً وبالتّرهيب غالباً. فهل ستلاقي صرخات النّاس صداها في آذان أهل الحكم؟ أم أنّنا سنشهد في الأيّام القليلة القادمة على المزيد من الاضطهادات التّرهيبيّة - الارهابيّة لكمّ الأفواه؟
يعيبون على الثّورة والثوّار عندما يتهادى إلى آذانهم مطالبة دول العالم بالاستجابة الى مطالب النّاس، وفي الوقت عينه يغضّون الطّرف عن تصريحات السّفير الرّوسي الذي يدعو بشكل فجّ وصريح إلى تمثيل "حزب الله" في الحكومة العتيدة كونه يمتلك مع حلفائه الأكثريّة النّيابيّة. ولعلّ هذه أبرز مساوئ القانون الانتخابي الماضي حيث نقل الأكثريّة من حضن 14 آذار إلى قلب 8 آذار.
من هنا، ستشهد الأيّام القليلة القادمة المزيد من التّصعيد الذي قد ينتقل من الشارع إلى المجال الديبلوماسي الأممي؛ وستشهد الساحة اللبنانيّة حركة موفدين جدد كتلك التي شهدتها منذ أيّام خلت، وذلك لحثّ الثّوّار على المضي بمطالبتهم المشروعة، والأكثر لشدّ أواصر الساسة اللّبنانيّين الذين يتماهون مع حركة هذه الثّورة. ولا نخفي سرًّا إن جاهرنا بأنّ الرّئيس سعد الحريري هو المتقدّم على هؤلاء كلّهم.
لذلك، عكس ما ركن إليه "حزب الله" ومن معه، إنّ أسهم الحريري على ارتفاع في الحقل الدّولي. ولن يتجرّأ من هم في السلطة اليوم على تشكيل حكومة سياسيّة للمواجهة؛ أو على الأقل حكومة مواجهة تمزج بين أهل السياسة المعروفة هويّاتهم، وبعض من يدور في فلكهم من أصحاب اختصاصات. وذلك لأنّهم سيدخلون في صراع دولي لن يستطيعوا كبح جماحه في لبنان. واللعب على حافّة الهاوية لا ينفع في هذه الحالة.
الكلّ اليوم في انتظار الحدث المبدِّل غير المعروف الوجهة. قد يكون داخليّاً يترافق مع أجندة إقليميّة تخدم مصالح الدّول الاقليميّة، ومنفّذها هو الوحيد الذي يملك القدرة على التّنفيذ. ولا يخفى هذا السرّ لأنّ "حزب الله" هو الوحيد الذي يمتلك الجهوزيّة المطلقة. أو قد يكون إقليميّاً، وهذا ما ينتظره المترقّبون والمهتمّون بحركة شعوب المنطقة الآيلة أكثر فأكثر إلى المزيد من التحرّر. أو حتّى قد يكون دوليّاً، بانتظار تغيير في موازين السلطة في بعض دول القرار، لا سيّما الولايات المتّحدة الأميركيّة التي باتت على مشارف الانتخابات الرّئاسيّة.
أمام هذه الاحتمالات الثلاثة يبقى لبنان بلا حكومة، ويسير بشكل دراماتيكي نحو الهاوية الاقتصاديّة الماليّة من دون أيّ مكابح. حتّى مجرّد تفعيل لحكومة تصريف الأعمال في محاولة لإبطاء عجلة الانهيار لا يسمحون بها. لكأنّ من لا يريد التّغيير الحقيقي يريد بشكل مضمر انهيار الدّولة لأخذ اللّبنانيّين المجتمعين تحت هول المصيبة الوطنيّة إلى جمهوريّة ثالثة لا يريدها معظمهم. وما تمّ إفشاله بالحرب الضّروس طيلة جيل ونصف قد يأتي نتيجة قصف المدفع الاقتصادي الذي نواجهه!