رفيق خوري

شيزوفرينيا سياسية

30 تشرين الثاني 2019

10 : 00

ليس في تاريخ لبنان مرحلة خالية من التدخل الخارجي. من الإمارة إلى القائمقاميتين والمتصرفية والإنتداب الفرنسي والإستقلال وما بعده. في الأزمات والحروب كما في التسويات. فالتدخل مطلوب من الأطراف المحلية بمقدار ما هو جزء من سياسات القوى الإقليمية والدولية وصراعاتها. والشكوى من التدخل في الأزمة الحالية رفضاً له، ترافقها شكوى معاكسة من قلة التدخل، أو من التقصير في طلب المساعدة من المؤسسات المالية الدولية. إذ لم تستقبل بيروت سوى ثلاثة موفدين: فرنسي وبريطاني وعربي. وهم قالوا للمسؤولين ما لم يؤخذ به للإسراع في تأليف الحكومة، وسمعوا ما لا يُعتد به من مبررات.

والواقع أننا في مرحلة متقدمة من "شيزوفرينيا سياسية". فمن يرفض التدخل الأميركي والعربي والأوروبي يعتبر إيران من أهل البيت ويطالب بالتدخل الروسي. ومن يرفض التدخل الإيراني يرحب بالتدخل الأميركي والأوروبي والعربي. وقمة "الشيزوفرينيا السياسية" هي الإنفصال بين تحذير أهل السلطة من الإنهيار المالي والإقتصادي وتبنيهم لمطالب الثورة الشعبية وبين ما يدار به سيناريو التأليف قبل التكليف. فما يدور هو إعطاء الأولوية للحفاظ على الحصص والنفوذ في السلطة عبر الشغل في البنية الفوقية السياسية المأزومة، من دون الإلتفات إلى البنية التحتية الإقتصادية والمالية المنهارة. كأن الوقت مفتوح للعب في البنية الفوقية السياسية، وكأنها يمكن أن تبقى صامدة إذا إنهارت البنية التحتية الإقتصادية والمالية.

لا بل إن اللعب السياسي مستمر كأن الثورة الشعبية قائمة على سطح القمر أو كأن الثورة في عالم إفتراضي من جهة، وفي واقع خطير تديره "مؤامرة" على العهد و"حزب الله" من جهة أخرى. لكن ما يحدث هو أن الثورة تواجه "التآمر" من عدوين لها: من يريد السطو عليها لتوظيفها في ألعابه السياسية. ومن يعمل على تدميرها عبر التفكيك والتخوين والإعتداء والتلاعب بالعصبيات الطائفية والمذهبية. وحتى الآن فشلت هذه المحاولات في إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، بعد اليقظة الوطنية التي استعادتها الثورة.

في مقال نشرته "فورين أفيرز" يستعيد رئيس مجموعة الأزمات الدولية روبرت مالي قول الراحل تيب أونيل رئيس مجلس النواب في الكونغرس أن "كل السياسات محلية"، ليعكسه بأن "كل السياسات، وخصوصاً المحلية، دولية". والمعادلة عنده هي "أن التساكن بين الدول الضعيفة واللاعبين الأقوياء غير الدولتين يخلق ظروفاً مثالية للتدخل الخارجي". ألسنا في هذا التساكن، حيث من يرفض التدخل الخارجي هو من يخلق الظروف المثالية للتدخل؟


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.