مايكل مارشال

أولى مراحل تكوين الأرض

24 آب 2022

المصدر: New Scientist

02 : 00

يُقدَّر عمر الأرض بما يقارب 4.5 مليارات سنة، وقد تشكلت تزامناً مع الشمس وكواكب أخرى من نظامنا الشمسي، حين اصطدمت آلاف الصخور الكبيرة والصغيرة ببعضها واندمجت. ثم وقعت ضربة قوية أخرى، فاصطدم كوكب أصغر حجماً بالأرض على ما يبدو، وكان الاصطدام قوياً لدرجة أن يذوب سطح العالم كله وتنفجر كميات هائلة من المواد في المدار قبل أن يتشكّل القمر. سرعان ما بَرَد بحر شاسع من الصهارة الساخنة وأصبح صلباً وتحوّل إلى صخر. هكذا تشكّلت المحيطات وظهرت المساحات البرية.

بقي الكوكب الناشئ في تلك الحقبة مختلفاً جداً عما هو عليه اليوم، فقد كان يخلو من الأكسجين في الهواء، ما يعني ذوبان كميات كبيرة من معدن الحديد في المياه وتلطيخ المحيطات باللون الأخضر. كذلك، كانت مستويات الميثان في الغلاف الجوي عالية بما يكفي على الأرجح كي تصطبغ السماء باللون البرتقالي. وكانت الأراضي المختلفة صخرية وقاحلة ويطغى عليها اللونان الأسود والرمادي بشكل عام.

لطالما شكّلت طريقة تكوين هذه المناظر الطبيعية لغزاً حقيقياً. متى نشأت المحيطات وما كان عمقها؟ وهل كانت الأراضي المكشوفة فوق الأمواج موجودة منذ البداية، أم أنّ كوكب الأرض كان عالماً مائياً بامتياز في الماضي؟ بدأت هذه المسائل تتّضح بدرجة معينة اليوم. هي لا تكشف مفاجآت حول طريقة نشوء الكوكب فحسب، بل إن معرفة توقيت أول موجة جفاف على الأرض تعطينا فكرة عن بدء الحياة. تتطلب مجموعة من السيناريوات المرتبطة بأصل الأرض وجود مساحات مكشوفة، ما يعني أنها غير صحيحة إذا كان الكوكب غارقاً بالمياه. لهذا السبب، يرتبط اكتشاف أول مساحة برية على الأرض بأصل جميع الكائنات الحية، بما في ذلك البشر.

منذ فترة غير بعيدة، ظن العلماء أن محيط الصهارة في الدهر الجهنمي دام لفترة طويلة (حوالى 500 مليون سنة). لكن عارضت دراستان نُشِرتا في العام 2001 هذه الفرضية. حلل العلماء فيهما معدن الزركون: إنها بلورات ضئيلة تتشكل في أنواع محددة من الصخور المنصهرة، وتحمل تركيبتها الكيماوية مؤشرات على البيئة التي نشأت فيها. اتّسمت جميع القطع بخليط فيه أنواع مختلفة من ذرات الأكسجين، ما يثبت أن الصخر الذي تشكّلت منه كان يتفاعل مع المياه السائلة. لم يكن الدهر الجهنمي مريعاً بقدر ما افترض الكثيرون إذاً.

كانت النتائج المرتبطة بمعدن الزركون تعني أن كوكب الأرض شمل المحيطات منذ 4.4 مليارات سنة، أي بعد تكوين الكوكب بمئة مليون سنة تقريباً. مع ذلك، يبدو أن المحيطات نشأت قبل الحقبة التي نفترضها. يكشف الزركون تحولاً في أنواع ذرات الأكسجين منذ 4.2 مليارات سنة، أي في الفترة التي تشكّلت فيها المحيطات الواسعة.

تكمن الصعوبة الحقيقية في تراجع عدد الصخور في المراحل الأولى من الدهر السحيق. إذا كانت اليابسة نادرة حينها، يُفترض ألا نتوقع إيجاد أي كميات محفوظة. لكن عثر علماء الجيولوجيا في السنوات الأخيرة على أدلة أخرى، بعضها وارد في دراسة أشرفت عليها ديزيريه روردينك من جامعة "بيرغن" في النروج ونُشِرت نتائجها في شهر شباط الماضي. حلل الباحثون صخور الباريت الموجودة في جنوب أفريقيا والهند وأستراليا، وهي تشكلت منذ 3.5 أو 3.2 مليارات سنة، في منتصف الدهر السحيق. تحتوي صخور الباريت على نسختَين من عنصر السترونشيوم. يكون النوع الأول أكثر شيوعاً في القشرة المحيطية، والثاني في القشرة القارية. من خلال قياس الكمية المحفوظة من كل نوع منهما في الصخور، قيّم الباحثون احتمال أن تتلقى البحار الرواسب من القارات تحت تأثير ظاهرة التجوية الناجمة عن عوامل طبيعية مثل الرياح، ومدى ارتباطها بوجود مساحات برية واسعة.

إكتشف فريق روردينك أن التجوية الكيميائية للصخور البرية زادت تدريجاً منذ 3.5 إلى 3.2 مليارات سنة. ثم عاد الباحثون إلى عصور أقدم واستنتجوا أن تجوية الأراضي بدأت منذ 3.7 مليارات سنة تقريباً. توضح روردينك: "لا يمكننا أن نقول إن اليابسة لم تكن موجودة منذ 3.7 مليارات سنة، لكن يمكننا أن نفترض أن تجوية هذه الأرض أثّرت بكل وضوح على كيمياء المحيطات في تلك الحقبة تقريباً".

على صعيد آخر، قيّم الباحثون مساحات برّية تتماشى مع ظاهرة التجوية التي رصدوها. تبلغ نسبة اليابسة على سطح الأرض حوالى 29% اليوم، لكنها كانت تتراوح بين 2 و12% فقط منذ 3.5 أو 3.2 مليارات سنة. احتاجت تلك القارات الأولية إلى مئات ملايين السنين للاقتراب من أحجامها المعاصرة. وبدأت أول شبه قارة تتشكّل منذ 2.7 مليار سنة على الأرجح.

تكثر المسائل العالقة حتى الآن، لكن يتراجع توقيت ظهور اليابسة بفترة طويلة استناداً إلى الأدلة المتاحة. يقول مارتن فان كرانيندونك من جامعة "نيو ساوث ويلز" في سيدني: "أظن أن المساحات البرية المكشوفة ظهرت على سطح الأرض منذ 3.7 مليارات سنة أو ربما قبل ذلك".

تشير هذه المعطيات كلها إلى ثلاثة أجزاء من قصة تكوين الأرض. في مرحلة مبكرة من الدهر الجهنمي، اكتسب الكوكب المنصهر غلافاً جوياً مشبعاً بالبخار وتتراجع فيه المساحات المائية. ثم تشكّلت المحيطات وغمرت الأرض بالكامل أو بشكلٍ شبه تام. أخيراً، تطورت الصفائح التكتونية بدءاً من الدهر السحيق، قبل أن تنضم مساحات برية أكبر حجماً إلى الجزر المعزولة تدريجاً.

لكن ما الذي تكشفه هذه التفاصيل عن أصل الحياة؟ يبدو أن محيطات شاسعة تشكّلت منذ 4.2 مليارات سنة تقريباً. وإذا ظهرت معالم الحياة داخل فتحة في عمق البحار، فقد حصل ذلك في المرحلة اللاحقة على الأرجح. لكن إذا بدأت الحياة على اليابسة، كانت لتظهر في مرحلة أبكر، عندما بدأت المياه تهطل فوق الأسطح، أي منذ 4.4 مليارات سنة. يوضح فان كرانيندونك: "حين تهطل الأمطار من الغلاف الجوي، يصبح سطح الكوكب كله عبارة عن مفاعل جيوكيماوي". أو ربما ظهرت الحياة في مرحلة لاحقة، على جزر بركانية كانت موجودة على الأرجح منذ 3.7 مليارات سنة أو قبل تلك الحقبة.

ما زلنا نعجز عن تحديد توقيت أو مكان نشوء الحياة، لكننا نملك اليوم صورة أوضح عن أولى مظاهر الحياة على كوكب الأرض. بدءاً من فقاعة الصهارة المشبعة بالبخار، مروراً بعالم المياه، وصولاً إلى البحار الخضراء والسماوات البرتقالية والصخور السوداء على الأرض في الدهر السحيق، قد تبدو لنا هذه المعالم غريبة. لكن يحمل فان كرانيندونك نظرة مختلفة عن الموضوع. منذ مليار سنة، كنا لنجد برأيه مظاهر مألوفة متعددة، من المحيطات الشاسعة إلى المساحات البرية المليئة بالبراكين والينابيع الساخنة.

تنقسم قشرة الأرض اليوم إلى عشرات الصفائح التكتونية الكبيرة التي تتحرك بسرعة لا يمكن رصدها بالعين المجرّدة. على مر ملايين السنين، تُغيّر هذه الصفائح مواقعها وتُنقَل القارات من مكان إلى آخر. وعندما تتدافع الصفائح في ما بينها، قد يهبط بعضها نحو وشاح الأرض: إنها ظاهرة الاندساس.

كانت الأرض الناشئة حديثاً أسخن من أن تتحول قشرتها إلى صفائح صلبة. تقول ناديا درابون من جامعة "هارفارد": "ربما كان وشاح الأرض ساخناً أكثر من اللزوم والقشرة عائمة واسفنجية بدرجة مفرطة". لا تزال الأحداث البديلة عن هذا السيناريو محط جدل. يتعلق احتمال معيّن بتطوير "غطاء راكد" على الأرض: تنقسم القشرة في هذه الحالة إلى صفائح، لكنها قد تصبح مدسوسة في حالات نادرة أو لا تصبح كذلك مطلقاً. أو ربما تراكمت المواد على الجهة السفلية من القشرة وتسللت إلى وشاح الأرض حين أصبحت ثقيلة أكثر من اللزوم.

تتفاوت التقديرات المرتبطة بتوقيت نشوء الصفائح التكتونية "المعاصرة"، وتتراوح بين 4 مليارات سنة وأقل من مليار سنة. إنه فارق ضخم برأي درابون. في دراسة نُشِرت في شهر نيسان، حاولت درابون وفريقها معرفة توقيت بداية تحرك الصفائح. حلل العلماء التركيبة الكيماوية لمعادن الزركون من جنوب أفريقيا منذ فترة تتراوح بين 3.3 و4.1 مليارات سنة. تحمل المواد الكيماوية في هذه البلورات الضئيلة مؤشرات على الصخور التي تشكلت فيها، وقد وجد الباحثون أدلة على حصول تحوّل بارز منذ 3.8 مليارات سنة. تشكّلت معادن الزركون القديمة داخل قشرة طويلة العمر، ما يعني حصول اندساس محدود أو معدوم. لكن حملت أحدث نُسَخ من هذه المعادن أدلة على وجود قشرة قصيرة العمر، ما يثبت أن الصفائح التكتونية كانت تتحرك ويُعاد تدويرها. قد تشير هذه العملية إلى حصول اندساس حقيقي وقد لا تفعل، لكن تعتبرها درابون "أول خطوة مهّدت لنشوء النظام الذي نعرفه اليوم".

أخيراً، اكتشف باحثون آخرون أدلة واضحة على حصول اندساس فعلي لكن في مرحلة لاحقة، منذ 3.2 أو 3 مليارات سنة. ربما حصلت حالات معزولة من الاندساس ونشاطات مشابهة للظواهر المعاصرة في مرحلة مبكرة، فاشتقت جزئياً من اصطدام الكويكبات، ولم تظهر الصفائح التكتونية العالمية المتحركة إلا في مرحلة لاحقة.


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.