ريتا عازار

الأرض في زاوية الكون نصفّق لها كلّ سنة مرّة

6 دقائق للقراءة

ثمّة أيام تستيقظ فيها البشرية على فكرة لامعة، تكاد تكون بطوليّة. ثمّ يأتي 22 نيسان، اليوم الذي تُقرِّر فيه باتفاق جماعي مشوب بشيء من تأنيب الضمير، أن تحبَّ الأرض. ليس حبًّا جارفًا بالطبع، فلا داعي للمبالغة، إنما فقط بالقدر الذي يسمح بنشر صورة لغابة مع فلتر أخضر وتعليق ملهم من نوع: لِنهتمّ بكوكبنا. نُزيّن الواقع بالكلمات وكأن الطبيعة تفهم "الهاشتاغ"، وهي طريقة أنيقة للقول لنستمرّ كما نحن لكن مع بعض التفكير.

الأرض، تلك الكرة العجوز التي تدور بلا توقف ومن دون أن تطلب شيئًا (رغم أن جدّتي لِأمّي ماتت وهي غير مصدِّقة أن الأرض دوّارة كجارتها)، تستحق تلك الكرة على الأرجح أكثر من احتفال سنويّ يشبه عيد ميلاد منسيًّا جرى تداركه في اللحظة الأخيرة. لنتخيَّل المشهد: الأرض جالسة في زاوية من الكون تراقب مرور الأيام. تعرف أن في الثاني والعشرين من نيسان، سيتذكّرها الجميع فجأة. سيتحدّث البشر عنها كما لو كانت نسيبة بعيدة لا يزورونها أبدًا لكنهم يحبّونها نظريًّا. سيقولون لها إنها جميلة، وإنهم يهتمّون بها، وإنهم لا يستطيعون العيش بدونها... وهي صراحة لافتة لأنها صحيحة تمامًا.


الصبر الأرضي

بقيّة السنة، تراقب الأرض بنوع من الصبر المتعب. ترى محيطاتها تتحوّل إلى سلّة قمامة هائلة، وغاباتها تُقصّ بطريقة عشوائيّة كأنها ضحيّة متدِّرب حلاقة طازج، وغلافها الجويّ يصبح خليطًا لا يجرؤ حتى أكثر المغامرين على تذوّقه، ونحن نكسر الإناء ثم نختلف على شكل اللّصق. لكن في الثاني والعشرين من نيسان، تحدث المعجزة، يفرز الناس نفاياتهم بحماسة المؤمن الجديد، يغلقون صنبور الماء أثناء تنظيف أسنانهم وكأنّ كل قطرة ماء كنز لا يُقدَّر بثمن. يطفئون الأنوار بجديّة تكاد تكون مقدّسة. وفي اليوم التالي، يعود كلّ شيء إلى طبيعته. الصنبور يظلّ مفتوحًا، والأنوار تبقى "مشعشعة"، وتستعيد الأرض دورها كخادمة صامتة عن حماسة يوم وذاكرة سمكة.


فن الوعود

ينبغي الاعتراف بأن للبشريّة موهبة خاصة في إطلاق التصريحات الكبيرة، نعم نحن بارعون في فن الوعود، نعد بالتقليل، وإعادة التدوير، وإعادة التفكير، وإعادة الابتكار. نحن أبطال المستقبل المشرق، شرط أن يبدأ لاحقًا. أمّا اليوم، فلدى كلّ واحد منا ما يشغله، غدًا سنكون مثاليّين بلا شك. أما الأرض، فلا تملك هذا الترف. هي محكومة بالحاضر، وهذا وضع غير مريح عندما يكون مليئًا بأطنان من البلاستيك العائم.

قد يقول البعض إن تخصيص يوم للأرض أمرٌ جيد. فثمّة يوم للابتسامة، وآخر للنوم، وحتى يوم للجوارب الضائعة. فلماذا لا يكون هناك يوم للأرض؟ صحيح، لكن لنتخيّل لو كنا نحبّ عائلتنا يومًا واحدًا فقط في السنة، وبقية الوقت نتجاهلها، ونترك الفوضى خلفنا. ثم في يوم واحد، نأتي حاملين باقة من الزهور ونقول: نحن نحبّكم. هل يُقاس الحبّ بعدد الباقات أم بعدد المرّات التي لم نؤذِ فيها؟

المشكلة مع الأرض أنها صبورة أكثر من اللازم، لا تشتكي مباشرة، لا ترسل فواتير، لا تتصل لتقول: لقد طفح الكيل. تكتفي بإرسال إشارات: عاصفة هنا، موجة حرّ هناك، ارتفاع في مستوى المياه، كتذكير بسيط. لكن البشرية، بخبرتها في تجاهل ما لا يناسبها، تنظر وتقول: مثير للاهتمام. ثمّ تعود إلى انشغالاتها وكأن كلّ شيء سيُحلّ تلقائيًا.

لكن العناية تتطلّب جهدًا يتجاوز الضغط على زر، ولا يكفي مشاركة عبارة ملهمة أو تغيير صورة على "فايسبوك". الإنسان يحبّ عاداته كما يحبّ أريكته، بتعلُّق عميق ومقاومة لأيّ تغيير. أن يُطلَب منه التغيير يُشبه الطلب من القط الاستحمام. ذلك ممكن نظريًّا، لكنه غير مستحبّ عمليًا.

مع ذلك، ثمّة شيء مؤثّر في هذا اليوم، ولو كان موقتًا لبضع ساعات، نتذكّر أننا نعيش على كوكب، لا داخل مركز تجاري. نستيقظ قليلًا بما يكفي لضغط زر الغفوة، ندرك أن الهواء الذي نتنفسه ليس منتجًا صناعيًا، وأن الماء الذي نشربه لا يأتي من تطبيق من "السليكون فاليه". يا لها من لحظة صفاء، تختفي بسرعة، لكنها تترك أثرًا.


تفاصيل صغيرة

الأرض من جهتها تواصل الدوران، لا تنتظر اعتذاراتنا ولا وعودنا، لا تمنح مهلًا إضافية. تستمرّ، سواء تعاونّا معها أم لا. نتصوّر أن الأرض تحتاجنا، بينما الواقع عكس ذلك تمامًا، فالأرض ستستمرّ من دوننا. لقد مرّت بكوارث أكبر بكثير، أما نحن فمصيرنا مرتبط بها مباشرة. فماذا نفعل بهذا اليوم؟ ربّما نحوّله إلى بداية، لا مجرّد استثناء. نجعله تذكيرًا بأن كلّ يوم يمكن أن يكون مشابهًا له قليلًا. لا شيء مبهر في ذلك، فقط أفعال بسيطة تتكرّر، وقد تبدو مملّة، لكن في هذا الملل يكمن التغيير الحقيقي.

قد يكون مغريًا البحث عن مذنب واحد، فذلك يجعل الأمور أسهل. لكن الواقع أكثر تعقيدًا، المشكلة موزعة، مشتركة. كلّ واحد يساهم بطريقة ما، وأحيانًا من دون أن يشعر. وهذا يعني أن كلّ واحد يمكن أن يكون جزءًا من الحل، ليس عبر أفعال بطوليّة بل عبر تفاصيل صغيرة.

يمكن أن يكون هذا اليوم فرصة للضحك على أنفسنا قليلًا، للاعتراف بتناقضاتنا، ليس بهدف جلد الذات، بل لفهمها. الإنسان يرغب في فعل الصواب، إنما يقابل ذلك ميلٌ دائم لاختيار الأسهل، والسؤال: هل نقدر على التقدّم خطوة واحدة فقط نحو الأفضل؟


الأرض لا تكتب مقالات

ليس للأرض رأيٌ. لا تُصوِّت، لا تحتجّ، لا تكتب مقالات. هي موجودة فحسب، توفِّر لنا المسرح الذي نعيش عليه. في هذا اليوم، ننظر إليها كما لو كنا نراها للمرة الأولى، ثم نعود إلى حياتنا كالمعتاد. ربّما اليوم الحقيقي للأرض، هو اليوم الذي لن نحتاج فيه للاحتفال بها، اليوم الذي تصبح فيه العناية بها أمرًا طبيعيًا. حتى ذلك الحين، يبقى هذا اليوم بما فيه من نيّات طيّبة. وإذا أردنا إضافة شيء لا يشبه ما قيل، فربما علينا أن ننظر إلى علاقتنا بالأرض كعلاقة ذكيّة لا عاطفيّة فقط. المسألة لم تعد مجرّد شعور بالذنب أو رغبة في الظهور بمظهر أفضل، بل أصبحت مسألة بقاء عمليّ لا تُحلّ بفلتر جديد أو عبارة ملهمة من ثلاثة أسطر.

فالمدن تكبر بسرعة، والموارد تنكمش بصمت، والتوازن الذي كان يبدو ثابتًا بدأ يتصرّف كخيط مشدود على وشك الانقطاع، ونحن ما زلنا نناقش إن كان اللون الأخضر يليق بصورة الملف الشخصي أكثر من الأزرق. هناك فرص هائلة، لكن الاستفادة منها تتطلّب وضوحًا لا مجاملة فيه.

لا أحد سيأتي ليصلح الأمور بدلًا منا، وليس من خطة سرّيّة لتنقذ الموقف، ولا حتى تحديث يعيد ضبط الكوكب إلى إعدادات المصنع. ليس هناك سوى قرارات صغيرة لكن حاسمة، تُتخذ يوميًّا من دون ضجيج، وغالبًا من دون تصفيق. وربّما أعقد الحلول تبدأ بفكرة بسيطة جدًا وهي أن نستهلك أقلّ ممّا نستطيع، لا أكثر ممّا نريد، وهي فكرة تبدو معقولة جدًا إلى أن نحاول تطبيقها فعلًا.


أمل ونسيان

وفي النهاية، ربما هذا ما ينقذ الصورة قليلًا، هذه الرغبة في التحسّن، حتى وإن كانت غير كاملة. مزيج من الأمل والنسيان، نتحسّن خطوة، ثم ننسى إلى أين كنا متجهين. الأرض ستستمرّ في الدوران، وجدّتي في النكران، أما نحن فما زلنا نناقش إن كنا جزءًا من المشكلة أم ضحاياها، غالبًا ونحن نحمل كوبًا بلاستيكيًّا، ونفكّر بجدية في إنقاذ الكوكب.

السؤال يبقى لنا: هل نريد أن نبقى جزءًا من هذا العالم، أم مجرّد متفرّجين عليه؟ وحتى نقرّر، لا بأس، لدينا موعد سنوي منتظم لنشعر بالقلق، ثم نعود إلى حياتنا كالمعتاد. فأهلًا بكم وبنا وبصندوق الفرجة... كلّ 22 نيسان.



في كوب بلاستيك