مجيد مطر

خطوة بقاء رئيس الجمهورية في القصر وتداعياتها على الوزراء

5 دقائق للقراءة

لقد حسمت الدولة الحديثة مسألة خضوع الحاكم والمحكوم للقانون، أي الخضوع لموجبات الأنظمة الأساسية التي تنظم المجتمع، وتحكم عمل مؤسسات الدولة، وتحديداً الدستور باعتباره القانون الأساسي والمصدر الأسمى للتشريع.

فكل عمل لا يتوافق مع احكام الدستور يعتبر لاغياً، ولا يلزم الدولة والمجتمع في شيء، حتى في الظروف الطارئة والتي تتعلق بمسألة استمرارية الدولة، لا يمكن معها تجاوز احكام الدستور الواضحة، حيث لا اجتهاد في معرض النص.

وقد نظّم الدستور اللبناني موقع رئاسة الجهمورية انتخاباً، أهلية، مدة ولاية، وصلاحيات كشريك في السلطة الإجرائية.

فقد نصت المادة 49 من الدستور على أن رئاسة رئيس الجمهورية تدوم لمدة ست سنوات، ولا تجوز إعادة انتخابه الا بعد ست سنوات لانتهاء ولايته.

اذا، هنا النص صريح، المدة ست سنوات تحسب من يوم انتخابه، حيث يكون انتهاء الولاية في اليوم نفسه بعد مضي ست سنوات. فالرئيس الحالي قد انتخب في 31 تشرين الأول 2016 وسوف تنتهي ولايته في 31 تشرين الأول 2022 من دون زيادة او نقصان. كذلك في ما يتعلق بعدم انتخابه الا بعد مرور ست سنوات على انتهاء ولايته، فهذا يشير الى انه لا يمكن، لا لمجلس النواب ولا لرئيس الجهمورية، ولا لأي سلطة في لبنان ان تمدد ولايته او تعيد انتخابه الا بموجب تعديل دستوري يجيز ذلك. وبما أن الواقع السياسي معروف للجميع، لناحية ان كثيرين من القوى السياسية يعارضون بقاء الرئيس عون في سدة الحكم، فضلاً عن عدم وجود حكومة فاعلة، فلا امكانية للحديث عن تعديل دستوري، من الناحيتين الدستورية والسياسية.

وبعد استعراض هذا الواقع الدستوري، وفي حال صحّت التوقعات، واتخذ الرئيس عون القرار بعدم مغادرة القصر الرئاسي، ما هي تداعيات ومفاعيل ذلك من الناحية الدستورية والسياسية، وما هو موقف المؤسسات الدستورية الأخرى، وما هو دور الوزراء في التصدي لذلك الواقع المستجد؟

استنادا الى ما تقدم، بعد انتهاء مدة الست سنوات يصبح الرئيس بلا صلاحيات، وغير مخول الاشتراك في اصدار المراسيم، ويصبح وجوده في القصر وجوداً معدوماً من أي مفعول قانوني، ولحظة انتهاء مدة الست سنوات، يصبح ملزماً بمغادرة القصر الرئاسي، وفي حال لم يقم بذلك يصبح في موقع اغتصاب السلطة وكل تصرف يقوم به يعتبر بحكم اللاغي، ومعدوم الاثر، ولا يرتب على مخالفته أي مسؤولية، لا بل العكس من ذلك تصبح مخالفته امراً واجباً، والا تعرض من نفذه، للمساءلة والمحاسبة. فرئيس الجمهورية حكمه في هذا حكم الموظف الذي تنتهي خدمته لبلوغه السن القانونية بحيث يفقد صلاحية اتخاذ القرار الإداري او أي تصرف آخر. فمدة الست سنوات تنطبق عليها مفاعيل بلوغ السن القانونية للموظف.

معلوم أن الدستور اللبناني يخلو من أي نص يحدد مركز رئاسة الجمهورية، فالبقاء في القصر لا يخلق واقعاً دستورياً البتة، فمكان الحكم هنا لا علاقة له بمدة الحكم وطريقة الحكم، فالقصر الجمهوري هو مجرد مكان إقامة. فقد اقام الرئيس الهراوي في مقر رئاسي في الرملة البيضاء. فالرئيس يحكم بموجب الدستور لا بموجب المكان الذي يسكنه، سواء كان مقراً صيفياً ام شتوياً، فعلى سبيل المثال لا الحصر يمكن لرئيس المجلس النيابي او اللجان النيابية ممارسة صلاحياتهم خارج بيروت كون المادة 26 من الدستور جاء فيها: «بيروت هي مركز الحكومة ومجلس النواب». اما الهيئة العامة، فهي ملزمة ان تعقد جلساتها في بيروت ما خلا الظروف والأسباب القاهرة (1). وعليه يصبح التساؤل هنا ذا دلالة مهمة: كيف سيتعامل الوزراء في حال بقاء الرئيس في القصر الجمهوري؟

وهل هذا الواقع يلزم الوزراء في شيء، وهل يتحملون المسؤولية الدستورية في حال رفضوا التعاون معه، ام يتحملون المسؤولية امام مجلس النواب والحكومة وقبل كل شيء امام الشعب في حال تعاونوا معه؟ فالوزراء يتحملون تجاه مجلس النواب تبعة سياسة الحكومة، ويتحملون فردياً تبعة افعالهم الشخصية.

فهل يصبح وزير المالية ملزماً باعطاء التوجيهات اللازمة لوزارة المالية بالامتناع عن صرف الاعتمادات المتعلقة بالرئيس لعدم مغادرته القصر، كونه في حالة اشغال مقر عام تعود ملكيته للدولة من دون وجه حق، فلا الزام بالنفقة عليه من الخزينة العامة. كذلك بالنسبة لوزير الاتصالات فهل يصبح ملزما بقطع خطوط الهاتف وكل ما يقع تحت بند الاتصالات. وقس على ذلك لباقي الوزراء.

خلاصة

مما لا شك فيه ان عدم مغادرة رئيس الجمهورية القصر الجمهوري، قفزة في المجهول، من شأنها خلق المزيد من عدم الاستقرار، والانقسام بين الشعب، وهي لن تفيد في شيء، ولا تلزم أي مؤسسة دستورية أخرى في التعاون معه، فبمجرد خلو سدة الرئاسة تنتقل صلاحيات الرئيس وكالة لمجلس الوزراء. هذا النص الدستوري الذي يحكمنا في حال عدم توفر البديل. ومع هذه الخطوة اذا وقعت، يصبح الجميع ملزم بالدفاع عن الدستور من الخرق الفاضح والاعتداء عليه.

اللهم انّا لا نسألك رد القضاء، بل نسألك اللطف فيه...