THE NEW YORKER

كيف ستنتهي الحرب في أوكرانيا؟

5 تشرين الأول 2022

المصدر: كيث غيسين

02 : 01

جسر فوق نهر إيربين يحمل صلباناً تحيّةً للذين قتلوا خلال الغزو الروسي | أوكرانيا
نشأ هاين غومانز في أمستردام خلال الستينات والسبعينات وسط قصص وذكريات عن الحرب العالمية الثانية. كان والده يهودياً، فاضطر للإختباء خلال حقبة الإحتلال النازي. عندما جاء غومانز إلى الولايات المتحدة لدراسة العلاقات الدولية، سُئِل في أحد الصفوف عن التجربة الشخصية التي أثّرت برؤيته للعلاقات الدولية، فتكلم على الحرب العالمية الثانية. لكن اعترض الطلاب الآخرون على جوابه باعتبار أن الحرب ليست تجربة شخصية بما يكفي. لكنها كانت كذلك في حياة غومانز، فهو يتذكر أنه حضر الذكرى الأربعين لتحرير أمستردام على يد القوات الكندية، في أيار 1985. كان عدد كبير من الجنود الكنديين الذين شاركوا في التحرير لا يزالون على قيد الحياة، فأعادوا تمثيل وصول القوات الكندية لتحرير المدينة. ظن غومانز أن سكان أمستردام لا يهتمون بحضور هذه المناسبة، لكنه تأثر حين استنتج أنه مخطئ، فقد غصّت المدينة كلّها بالناس على جانب الطرقات. يعلّم غومانز العلوم السياسية في جامعة "روتشستر" اليوم، وقد كتب أطروحته حول نظرية إنهاء الحرب. هو استنتج أن تحليلات كثيرة تتمحور حول كيفية بدء الحروب، لكن تتراجع في المقابل الدراسات التي تحلّل طريقة انتهائها.

يطرح غومانز في أطروحته، ثم في كتابه اللاحق War and Punishment (الحرب والعقاب)، نظرية حول أسباب وطرق انتهاء بعض الحروب مقابل استمرار حروب وحشية أخرى لوقتٍ طويل. تشير الحرب الواردة في عنوان الكتاب إلى الحرب العالمية الأولى، ويعني "العقاب" النتيجة التي كان القادة في ألمانيا يخشونها إذا لم يحققوا انتصاراً واضحاً. عند صدور كتاب غومانز في العام 2000، اعتُبِر أول دراسة معاصرة ومتكاملة لمشكلة إنهاء الحروب ومهّد لتكثيف الأبحاث عن هذا الموضوع لاحقاً.

في مقابلات حديثة مع مجموعة خبراء بنظرية إنهاء الحرب، بمن فيهم غومانز، تحدّث هؤلاء عمّا تكشفه النظريات حول مسار الحرب في أوكرانيا. هم يظنون أن الحروب التي درسوها قد تسلّط الضوء على الصراع الراهن.

تفاجأ دان رايتر، زميل غومانز ومؤلف كتاب How Wars End (كيف تنتهي الحروب)، من تماشي مواصفات الحروب التقليدية مع مسار الصراع في أوكرانيا. لم تحصل حرب سيبرانية واسعة، بل اكتفت روسيا باستخدام عدد صغير من الصواريخ فائقة سرعة الصوت. برأيه، تستعمل روسيا "المدفعيات، والمدرعات، وسلاح المشاة، والعمليات الوحشية ضد المدنيين. إنها أدوات القرن العشرين". في المقابل، يملك الجانب الأوكراني أسلحة متطورة، وهو مدرّب بما يكفي ويتمتّع بشجاعة فائقة. لم يتغيّر الوضع بقدر ما كنا نظن".

على نطاق أوسع، تحمل هذه الحرب خصائص مألوفة بالنسبة إلى واضعي نظريات الحرب. كان سوء تقدير فلاديمير بوتين في بداية الحرب واقتناعه بقدرته على اجتياح أوكرانيا خلال أيام معدودة حالة تقليدية من غياب تنسيق المعلومات. تعكس هذه الحالة أيضاً ما يصيب أي نظام قمعي يتلقى معلومات خاطئة من أوساطه الخاصة. ادّعت روسيا أنها لا تستطيع الوثوق بعدم انتساب أوكرانيا إلى حلف الناتو. ولم تكن أوكرانيا من جهتها تملك أي سبب وجيه للوثوق بنظام روسي لطالما نكث بوعوده ثم أقدم على غزوها في شهر شباط من دون مبرر. لكن يبقى حل مشكلة الالتزام الجدير بالثقة معقداً. عولجت هذه المشكلة خلال الحرب العالمية الثانية عبر تدمير النظام النازي، وإعادة صياغة الدستور الألماني، وتقسيم ألمانيا. لكن لا تنتهي حروب كثيرة بهذا النوع من النتائج الحاسمة.

انجرّ عشرات الأطراف الخارجية إلى الصراع، فانحاز 30 بلداً من حلف الناتو إلى أوكرانيا، بينما تتابع بيلاروسيا دعم موسكو حتى الآن. يقول غومانز: "إنها حرب أوروبية كبرى، وهي من النوع الذي لم نتوقّعه يوماً. نحن أمام حرب خنادق، بما يشبه الحرب العالمية الأولى، وهي تهدف إلى حماية وجود أوكرانيا كدولة بحد ذاتها. ستكون تداعيات هذا الصراع هائلة، فهي سترسم مسار بقية مراحل القرن الواحد والعشرين. إذا خسرت روسيا، أو عجزت عن تحقيق ما تريده، ستنشأ روسيا مختلفة في المرحلة اللاحقة. وإذا انتصرت روسيا، ستنشأ أوروبا مختلفة في المرحلة اللاحقة". لهذا السبب، يمنع نطاق الحرب وتعقيداتها إقرار أي حل سريع.

في بداية شهر أيلول، توقّع غومانز أن يطول الصراع لأن المتغيرات الأساسية الثلاثة في نظرية إنهاء الحرب (المعلومات، والالتزام الجدير بالثقة، والسياسة المحلية) لم تُعالَج حتى تلك المرحلة. كان الطرفان لا يزالان مقتنعَين بقدرتهما على الفوز، وبدأ انعدام الثقة بينهما يترسخ مع مرور الأيام. في ما يخص السياسات المحلية، كان بوتين يحمل المواصفات التي حذر منها غومانز، فهو لا يفرض سيطرة كاملة على البلد رغم جهازه القمعي الكبير. لم يكف بوتين عن اعتبار الحرب "عملية عسكرية خاصة"، وعمد إلى تأجيل التعبئة العسكرية منعاً لتصاعد الاضطرابات الداخلية. توقع غومانز أن يُصعّد الرئيس الروسي الوضع بكل بساطة إذا بدأ يخسر.

لكن تسارعت الأحداث في الأسابيع اللاحقة، فأطلقت أوكرانيا هجوماً مضاداً ناجحاً، واسترجعت مساحات واسعة من الأراضي في إقليم "خاركيف"، وهدّدت باستعادة مدينة "خيرسون" المحتلة. كما كان متوقعاً، ردّ بوتين على هذه الأحداث عبر إعلان "التعبئة الجزئية" وتنظيم "استفتاءات" سريعة لضمّ الأراضي المحتلة إلى الاتحاد الروسي. حصلت التعبئة الجزئية بطريقة فوضوية وأدّت إلى هرب عشرات آلاف الناس من روسيا، كما حصل في بداية الحرب. اندلعت احتجاجات متفرقة في أنحاء البلد وقد يتوسّع نطاقها مع مرور الوقت. في غضون ذلك، تابعت القوات الأوكرانية تقدّمها في شرق البلاد.

طرح طالب غومانز السابق، برانيسلاف سلانتشيف، بعض السيناريوات المحتملة في منشور مرعب. هو يظن أن الجبهة الروسية في "دونباس" لا تزال معرّضة للانهيار الوشيك. في هذه الحالة، سيضطر بوتين لتصعيد الوضع بدرجة إضافية، فيطلق مثلاً اعتداءات متزايدة ضد البنية التحتية الأوكرانية. لكن إذا كان الهدف الفعلي يتعلق بمنع التقدم الأوكراني، يقضي خيار أكثر منطقية بشن ضربة نووية تكتيكية صغيرة. يتوقع سلانتشيف أن يبقى حجمها أقل من كيلوطن واحد، ما يعني أن تكون أصغر من القنبلة التي استهدفت هيروشيما بحوالى 15 مرة. لكن تبقى هذه الضربة كارثية، وستفتعل ردة فعل غربية قوية على الأرجح. لا يظن سلانتشيف أن حلف الناتو سيردّ عبر إطلاق ضربات نووية، لكنه قد يدمّر أسطول البحر الأسود الروسي مثلاً، ما يعني إطلاق جولة أخرى من التصعيد. في هذه الحالة، قد يميل الغرب أخيراً إلى الانسحاب. لكن يدعوه سلانتشيف إلى عدم التراجع لأن كل شيء سيصبح على المحك حينها.

عبّر غومانز عن القلق نفسه، لكنّ المدة الزمنية التي تتمحور حولها نظريته تمتدّ على فترة أطول. هو يظنّ أن بداية الشتاء في مرحلة مبكرة والتعزيزات الروسية الجديدة، مهما كانت تفتقر إلى التدريبات والمعدات، ستكبح الحملة الأوكرانية وتنقذ الروس في هذه المرحلة: "يظن الناس أن الصراع سينتهي سريعاً، لكنّ مسار الحرب مختلف للأسف". هو يتوقع أيضاً أن تستأنف أوكرانيا هجومها في فصل الربيع، فتتجدّد في تلك المرحلة الديناميات والمخاطر نفسها. لإنهاء أي حرب، يجب أن يتغير برأيه الحد الأدنى من مطالب واحد من الطرفَين على الأقل. هذه هي أول قاعدة من نظرية إنهاء الحرب. لكننا لم نصل بعد إلى مرحلة تبدّل أهداف الحرب بدرجة كافية لجعل اتفاق السلام ممكناً.

كانت توقعات واضعي النظريات حول الأحداث المحتملة في المرحلة المقبلة تتوقف جزئياً على طريقة تقييمهم المتغيرات. هل ستنهار الجبهة الروسية في إقليم "دونباس" فعلاً، ومتى سيحصل ذلك؟ وإذا انهارت هذه الجبهة في مرحلة معيّنة، فإلى أي حد يستطيع الكرملين السيطرة على المعلومات المرتبطة بها؟ لا يسهل تقديم أجوبة قاطعة حول هذا النوع من الأحداث، لكن يمكن طرح التوقعات دوماً. كان دان رايتر مثلاً أكثر تفاؤلاً بقليل من غومانز بشأن قدرة بوتين على إقناع الشعب الروسي بتحقيق انتصار جزئي، نظراً إلى سيطرته على وسائل الإعلام الروسية. برأي رايتر، يُعتبر بوتين دكتاتورياً بما يكفي لدرجة أن يتمكن من الانسحاب.

كان رايتر من أبرز واضعي النظريات عن الالتزام الجدير بالثقة، لكنه يظن أن الحرب قد تنتهي من دون تحقيق نتيجة حاسمة مثل تدمير الاتحاد الروسي: "لا أحد يرغب في ترك بلدٍ يطرح أي شكل من التهديدات الدائمة. لكن يضطر البعض للتعايش مع هذا العالم أحياناً لأن استئصال مصدر التهديد بالكامل يترافق مع كلفة باهظة". يتوقع رايتر أن توافق أوكرانيا مستقبلاً على وقف إطلاق النار، ثم تُحوّل نفسها إلى بلد عسكري شائك لا يجرؤ أحد على غزوه. يضيف رايتر: "تستطيع الدول المتوسطة أن تحمي نفسها من أخطر الخصوم. قد تقوّي أوكرانيا دفاعاتها مستقبلاً، لكنها ستتحول إلى بلد ومجتمع مختلف جداً عمّا كانت عليه قبل الغزو". قد تصبح أقرب إلى إسرائيل، حيث ترتفع الضرائب، ويزيد الإنفاق العسكري، وتطول الخدمة العسكرية الإجبارية. لكن سبق وأثبتت أوكرانيا أنها تستطيع الدفاع عن نفسها منذ الآن.

مع ذلك يشعر غومانز بقلق مضاعف، فقد أخذته أفكاره مجدداً إلى الحرب العالمية الأولى. في العام 1917، قررت ألمانيا أن تقوم برهان شائك لإعادة إحياء نفسها بعدما فقدت الأمل بتحقيق النصر، فأطلقت سلاحها السري الذي كان عبارة عن غواصة "يو بوت" لتنفيذ عمليات غير محدودة في أعالي البحار. كانت تلك الاستراتيجية تجازف بجرّ الولايات المتحدة إلى الحرب، لكن أراد الألمان أن يحاصروا بريطانيا العظمى بهذه الطريقة ويحققوا النصر. يعتبرها غومانز استراتيجية "عالية التباين"، ما يعني أنها قد تحصد مكافآت كبرى أو تفتعل كوارث عظمى. أدت تلك الاستراتيجية حينها إلى مشاركة الولايات المتحدة في الحرب، وهزيمة ألمانيا، وإسقاط القيصر من السلطة.

في الظروف الراهنة، يحمل السلاح السري طابعاً نووياً، واستخدامه مجدداً يجازف بزيادة تورط الولايات المتحدة في الحرب. لكنه قد يكبح تقدّم الجيش الأوكراني، ولو مؤقتاً. حتى أنه قد يضمن النصر في حال استعماله بالشكل المناسب. يقول غومانز: "يشعر الناس بالحماسة حين يبدو انهيار جبهة القتال ممكناً". سيصبح بوتين محاصراً بكل معنى الكلمة في تلك المرحلة.

حتى الآن، لا يزال الخيار النووي مستبعداً برأي غومانز. هو يظن أن أوكرانيا ستفوز في الحرب، لكن تتطلب هذه النتيجة وقتاً طويلاً وستترافق مع خسارة مئات آلاف الناس.


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.