د. ميشال الشماعي

بين لبنان الصّحيح ولبنان الرّسمي

3 دقائق للقراءة

ورد في كتاب أسبوعيات لمفكّر الجبهة اللّبنانيّة فؤاد أفرام البستاني "خواطر لبنانيّة في الأحداث والمحدثين"، الذي تحدّث فيه عن الأحداث التي دارت من 31 كانون الأوّل 1977 وحتّى 26 تشرين الأوّل 1980، وفي الفصل الثاني بعنوان: "لبنان الرّسمي، ولبنان الصحيح"، الاشكاليّة الآتية: "إلامَ الطلاق بين لبنان الرّسمي ولبنان الصحيح؟ وحتّامَ الفراق بين الشعب والحكومة؟".

صحيح اليوم أنّ الهمّ الاقتصادي هو الطّاغي في الساحة السياسيّة. إلا أنّ الأصحّ أنّ الاشكاليّة الكبرى تبقى في المجال السياسي حول كيفيّة إدارة الدّولة. فعلى وقع تشكيل الحكومة ترزح البلاد تحت حالة شلل سياسيّ – اقتصاديّ- نقدي سبّب عدم استقرار في المجالات كافّة لا سيّما في المجال السياسي.

تحت ذريعة الميثاقيّة يسقط المرشّحون لرئاسة الحكومة واحداً تلو الآخر. المواصفات المطلوبة واضحة ومعروفة. والأرانب التي يتمّ استخراجها عند كلّ مفصل من الأكمام المحليّة والدوليّة لن تلبّي طموحات النّاس. لقد بات واضحاً اليوم أنّ الاختلاف ليس حول الأسماء بل حول الشكل الذي سيحكم تكوين الحكومة العتيدة.

ممّا لا شكّ فيه، هنالك خياران مطروحان لا ثالث لهما. حكومة مواجهة سياسيّة أو حكومة اختصاصيّين مستقلين. فالرّئيس الحريري رفض مواجهة العالم كرمى عيون "حزب الله" وسياساته التوسّعيّة عبر تشكيل حكومة تصون "الحزب" في تركيبتها وبيانها الوزاري. يبقى أنّ الأكثريّة النيابيّة التي يهيمن عليها "الحزب" لن تستطيع تأليف هكذا حكومة، كائناً من كان الاسم المطروح لرئاستها، إلا في حال اتّخذ القرار بإحراق روما للتمتّع برؤية ألسنة النّار من على شرفات العار.

من هذا المنطلق، لن نصل إلى أيّ حلّ إلا بالرّكون لإرادة الناس. فلا يستطيع أيّ مكوّن طائفي أن يقرّر عن غيره ويفرض من يريده عليهم. مقابل ذلك، الكتل النيابيّة التي تمّ تقليصها، وبالتّالي تحجيم دورها السياسي، تبدو غير قادرة على فرض المرشّح الذي تريده، والذي يلبّي حاجات المرحلة الرّاهنة. وهنا بيت القصيد. لقد أخرِج الموضوع من يد اللّبنانيّين. وبالتّالي سنكون أمام مواجهتين: لا يقلّ ضرر الواحدة عن الثانية على الصعيد النّقدي – الاقتصادي والسياسي.

فبقرار المواجهة سيزداد الضغط الدّولي على لبنان العاجز أساساً. أمّا في حالة عدم السير بالاسم الذي ستسمّيه الكتل النيابيّة، وبغضّ النّظر عن الغطاء السني الذي لن يوفّر لمرشّح فريق الممانعة، فسندخل في فراغ طويل سيعرّض البلاد والعباد لعقوبات دوليّة سوف لن تحمد عقباها.

من هذا المنطلق، صرنا أمام لبنانين: لبنان رسمي متمثّل بوجهة سياسيّة معروفة التوجّهات الاقليميّة، ولبنان الصحيح متمثّل بعامّة النّاس التي تطالب بحقوقها. لذلك، إن لم يخضع لبنان الرّسمي لإرادة لبنان الصحيح فنحن حتماً ذاهبون إلى عمليّة انتحار رسمي. وعندها سيخرج لبنان الصحيح عن طوع لبنان الرّسمي، ولن يستطيع أحد أن يتحكّم بتصرّفاته.

من هنا، يجب الانتهاء من عمليّة الطلاق بين الشّعب والحكومة للنّهوض بلبنان والعمل أوّلا على حلّ الأزمة الاقتصاديّة، للإنتقال بعدها إلى حلّ الأزمة الكيانيّة المنبثقة من هذا الاختلاف السياسي في الاستراتيجيّات الوطنيّة. وممّا لا شكّ فيه أنّ جوهر هذه الأزمة يتمثّل بوجود دويلة رديفة للدّولة، إذا ما استمرّ الوضع هكذا ستتحوّل هي نفسها إلى دولة حقيقيّة لتصبح هي لبنان الرّسمي؛ وعندها، هل سيتمكّن لبنان الصحيح من الصّمود بوجهها وهي التي باتت تأسر الدّولة بالكامل؟