يوسف مرتضى

17 ت1 مسار تراكمي لبناء دولة القانون والمؤسسات المدنية - الديمقراطية - السيدة والعادلة

15 تشرين الأول 2022

02 : 00

عشية الذكرى الثالثة لانفجار ثورة الغضب الشعبية في 17 تشرين الأول 2019، لا بد من التوقف عند الأسئلة والتساؤلات التي تثار حول هذا الحدث العظيم من أصحاب النوايا الطيبة وتلك السيئة على حد سواء، وحول مستقبله، هل هي ثورة أم انتفاضة أم حراك؟ وهل انتهت أو ما زالت مستمرة؟

أهل المنظومة ولفيفهم دأبوا على نعت 17ت1 بالحراك، لتقزيمه وحصره بمطالب آنية ذات طابع خدماتي أو معيشي. وعندما صدح شعار الثورة بالمطالبة بإسقاط المنظومة حكومة ورئيساً ومجلساً نيابياً واحتشدت مئات ألوف اللبنانيين خلفه في مختلف المناطق، شحذت المنظومة سلاحها المعهود، الطائفية، وهجم أتباعها على الثوار في ساحة الشهداء، وأعادوا تسخين محور الشياح - عين الرمانة، وتصدوا للثوار بإحراق خيمهم والتعدي عليهم، في صور والنبطية وبعلبك وبعقلين وزحلة، وجل الديب وطرابلس وصيدا وجونية….الخ لإدراكهم أن الأمر يتجاوز رد الفعل على زيادة سعر خدمة «الواتس أب»... وانكشف تحالف الفساد والسلاح للعلن بتصريحات متتالية لأمين عام «حزب الله» مترافقة مع تلك الاعتداءات، بأنه يرفض إسقاط الحكومة ولن يسمح باسقاط رئيس الدولة…!!؟

أما القول هي انتفاضة أم ثورة؟ فحسب اعتقادي ووفقاً للتجارب التاريخية، الانتفاضة قد تكون محدودة بالمطلب والمهلة الزمنية، بينما الثورة هي مسار تراكمي في تنمية الوعي بقضايا الثورة وأهدافها وهذه قناعتي، خاصة في حالة لبنان، المقسّم منذ نشأته قبل مئة عام إلى طوائف ومذاهب، أن تشهد ساحاته من أقصاه إلى أقصاه تجمعات بمئات الألوف من مختلف الأعمار والشرائح الاجتماعية تخلع عنها ثوب المذهبية والطائفية وترتدي ثوب الوطنية والمواطنة، برفع العلم اللبناني وحده دون سواه، وتنشد النشيد الوطني اللبناني وحده دون سواه، ويتحول شبابه وشاباته إلى محاضرين بالمواطنة ودولة القانون والمؤسسات، فهذا يؤشر إلى ثورة حقيقية في الوعي ستترجم حكماً في الانتخابات النيابية وتتابع تصاعدها في تغيير ثقافة المجتمع حتى تحقيق المرتجى، الدولة المدنية، دولة المواطنة الديمقراطية العادلة.

إن ارتقاء خطاب الثوار مع تتالي فعالياتهم وتوحده على خيار إسقاط الحكومة وتشكيل حكومة من خارج المنظومة تتمتع بصلاحيات تشريعية استثنائية، تعمل على تطبيق الدستور من دون استنسابية أو اجتزاء بهدف إعادة بناء الدولة المدنية التعددية الديمقراطية السيدة والعادلة، أشّر إلى أمرين في وعي وإدراك القوى الثورية للأزمة التي نواجهها:

الأول، هو أن الثوار كانوا يدركون أن الأزمات المتتالية التي عانى ويعاني منها اللبنانيون والتي أدى تراكمها إلى انفجار الثورة، إنما هي ناجمة عن أزمة حكم، يتمثّل في منظومة فاسدة غلّبت مصالحها الفئوية والحزبية والشخصية على مصلحة الشعب والدولة، وأدارت الحكم على قاعدة المحاصصة والزبائنية، معطّلة دور المؤسسات الدستورية والرقابية والقضائية، ومتجاوزة القواعد الدستورية والقانونية في ممارسة الحكم، فحوّلت بذلك الدولة إلى مزرعة يتقاسمون محاصيلها. هذا ما جعل الثوار يدركون أن لا أمل في إصلاح الوضع وإنقاذ البلاد عبر تغيير سلوك المنظومة، بل لا بد من انتزاع مفاتيح إدارة الحكم من يدها، وهذا يتطلب فعلاً ثورياً، وأن الطريق الوحيد لإنجازه في ظروف لبنان هو في سلوك المسار الدستوري عن طريق الانتخابات النيابية، باعتبار أن الشعب هو مصدر السلطات، وأن المجلس النيابي يمثّل إرادة الشعب في التغيير.

الثاني، هو أنّ المنظومة لما تمتلكه من أوراق قوة رغم الاختلاف بين مكوناتها، لن تستجيب لمطلب الثوار في تشكيل حكومة كفاءات من خارجها تتمتع بصلاحيات استثنائية، لذلك كان الخيار بالدعوة إلى انتخابات نيابية مبكرة، أي بالعودة إلى إرادة الشعب، غير أن المنظومة على وقاحتها ورغم وقوع جريمة العصر في انفجار مرفأ بيروت، لم تحرك ساكناً وبقيت على سلوكها الإجرامي نفسه، واستغلّت جائحة كورونا التي عطلت الاجتماعات الشعبية، ولمعرفتها بأن قناعة الثوار راسخة بالتزام الخيار الديمقراطي الدستوري في التغيير، واستبعاد أي خيار عنفي، ما مدد الأزمة وتفاعلاتها حتى موعد الانتخابات النيابية في أيار من العام الحالي.

كانت الانتخابات محطة اختبار أولى للثورة. فعلى الرغم من حداثة تكوين مجموعاتها، وعلى الرغم من تشتت قواها، فإن قرابة النصف مليون ناخب اقترعوا للوائح الثورة، وكان للاغتراب دوره الفاعل تصويتاً ودعماً مادياً ومعنوياً في هذه العملية. هذه القاعدة الانتخابية الثورية أوصلت تكتلاً من 13 نائباً إضافة إلى آخرين من المقربين من خيار الثورة، ما يؤشر الى وجود قاعدة شعبية واسعة لفكرة التغيير التي تمثلها الثورة بخياراتها وأهدافها. من هنا أرى أن المسؤولية باتت مضاعفة على تكتل النواب التغييريين وعلى المجموعات الثورية وقوى التغيير بشكل عام.

ما هو مطلوب ونعوّل عليه من تكتل النواب التغييريين، أن يتمسّكوا بوحدة تكتلهم أولاً، وأن يعملوا على تصليب عوده وفق رؤية وأهداف سياسية محددة ثانياً، وكانت مبادرتهم الرئاسية لمناسبة استحقاق انتخاب رئيس للجمهورية خطوة مهمة على هذا الطريق. ومن هنا نعوّل على التكتل وأعضائه السعي إلى توسيعه بضم نواب جدد إليه، حيث المواقف تتوافق وتتقاطع مع عدد لا بأس به منهم. ثالثاً، والمهم أيضاً أن يوثّق التكتل تفاعله ومشاوراته ومشاركته بالخيارات بالمجموعات والقوى الثورية، لجعل تأثيره أكبر في المعارك السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي يتصدى لها من تحت قبة البرلمان، ما يترك تأثيراً أكبر في النتائج وفي تنمية الوعي المجتمعي وتحشيد القوى للمواجهات والاستحقاقات المقبلة.

وما هو مطلوب من المجموعات الثورية ومختلف قوى التغيير، مراجعة نقدية لمرحلة السنوات الثلاث المنصرمة والاستفادة من تجاربها، للتأسيس على إيجابياتها وتجاوز سلبياتها، وهذا يستدعي المزيد من تنظيم الصفوف وتوحيد الجهود على الرؤية والأهداف الجامعة، والتي تتلخص ببناء دولة القانون والمؤسسات المدنية الديمقراطية التعددية السيدة والعادلة، بنظام حوكمة يحترم تطبيق الدستور والقانون بصرامة ليتمكن من تطويره حيث تدعو الحاجة، من أجل تطور وتقدم نظامنا السياسي الاقتصادي والاجتماعي بشكل مستدام.

من جهة أخرى، إنّ المجموعات الثورية وقوى التغيير مطالبة بمواكبة عمل تكتل نواب التغيير ودعمه والتفاعل معه، لكي تراكم الثورة في مسارها النضالي اليومي المزيد من النجاحات وتستقطب المزيد من قوى المجتمع الحية لخوض معارك التغيير في مختلف المحطات والاستحقاقات المقبلة.

نعم 17ت1 ثورة وعي، وبضوء نتائج التجربة المحققة يؤمل من تراكم نضال الثورة، تبدّل صورة لبنان من (مزرعة) إلى دولة مواطنة حديثة متطورة. فلبنان يزخر بثروة بشرية مميزة في الداخل والخارج، وبثروات طبيعية وقدرات مادية تمكّنه أن يكون في مصاف الدول الحضارية المتقدمة، المهم أن ننجح في تغيير المنظومة وليس النظام، فالدستور الذي يقوم بناء نظامنا الحالي عليه هو أفضل ما يمكن أن يجعل من لبنان دولة مدنية حديثة. أمّا الذين تراودهم فكرة تغيير النظام عبر الإطاحة بدستور اتفاق الطائف، إنما يدفعون بالبلاد، من خلفية حسابات فئوية ضيقة أو تنفيذاً لأجندات خارجية، إلى ما لا تحمد عقباه – سيفشلون.