التغيير هو مسار تراكمي يقوم على رؤية واضحة وأهداف محدّدة.
في السنة الرابعة لانتفاضة الناس في 17 تشرين يمكن التمييز بين أربع مراحل مرّت بها هذه الانتفاضة كانت كفيلة بتضييع فرص مهمّة لإحداث نقلة نوعية فيها قادرة أن تعيد لها زخمها الاوّليّ. واليوم، وفي قراءة هادئة هادفة للسنوات الأربع التي ولّت يمكن القول إنّ انتفاضة 17 تشرين غيّرت مسارها وأن المطلوب اليوم اعادتها إلى المسار الصحيح.
في الأولى: استيقظ "مارد" المواطنة عند النّاس التي احتلّت الشوارع والساحات، وأعادت الاعتبار للمساحة العامّة التي بغيابها لا يمكن الحديث عن أيّ مفهوم للوطن. في الأساس، "العام" غائب عن حياتنا ويومياتنا، فنحن نستصعب العيش معه وفيه، إذ نحمل إرثين في هذا الخصوص:
أحدهما موجود في لاوعينا الجماعيّ حيث إنّنا، وبحسب الكاتب والباحث اليابانيّ نوبواكي نوتوهارا، "ننتقم سلبيّاً من السلطة القمعيّة فندمّر كلّ ما هو عام". والأغلب أنّ مردّ هذه السلبيّة يعود تاريخيّاً إلى الاحتلالات التي خضعنا لها.
والآخر نعِيه وندركه ونفتخر به وهو الزبائنيّة التي تحكمنا والتي بموجبها كلّ "عام" هو امتياز للزعيم والحزب والطائفة، وبالتالي يتصرّف به على هواه من دون أيّ اعتبار لحقّ المواطن فيه. فنحن نتعرّف على المناطق والأحياء والقرى والمدن من خلال صُوَر الزعماء والشعارات الحزبيّة والدينيّة المرفوعة فيها.
استرجاع الساحات ونصب الخيم كان انتصاراً عظيماً، فماذا فعلنا به؟
الثانية: جاءت على وقع تفجير 4 آب الذي كانت ارتداداته خفيفة جداً جداً، لدرجة يمكن توصيفه بالانفجار الصامت.
في هذا التشرين يُتوقّع أن تُفجّر بيروت معها النّظام برمّته، فنحن نعيش عصر العمليات الانتحاريّة! يتوقّع أن يتحوّل الانفجار الى انفراج. لكن يبدو أنّ بيروت ما زالت تعيش على امجاد "أمّ الشرائع" التي ستبسط عدالتها، فانشغلت بتكنيس نكبتها. تخلّصت من الجثّة قبل تسليم القاتل للعدالة، فبقي المجرم حرّاً طليقاً.
أطلّ ماكرون كبطل خارق على جناح السّرعة، وبّخ السياسيين اللبنانيين في قصر الصنوبر فهلّلت الناس له متأملة أنّ سقوط المنظومة بات وشيكاً. أكملت التكنيس متغاضيةً عن وجود كرامتها ودمائها بين الرّكام والغبار، فاختلط الحابل بالنابل وتحوّل الانفجار إلى ثقب أسود مبتلعاً كلّ شيء.
بعد أن كنّا في 17 تشرين الأول نحثّ أولادنا على امتلاك حلم، جاء 17 تشرين الثاني لنلقّنهم درساً محكماً بالاستسلام والرضوخ.
الثالثة: بدأت المجموعات بالتحضير لأمّ المعارك، الانتخابات النيابيّة المصيريّة. اقتضت المرحلة نفض المجموعات وتأهيلها بما يتناسب وقيمة الاستحقاق: تغيير أسماء وتحويلها من اسماء ثوريّة، كإنتفاضة وحراك وتنتفض، الى اسماء جذّابة وعصريّة. أضافة الى كميّة الرؤى والأوراق السياسية والبرامج الّتي اكتظّ بها الهواء اللبناني. ولا ننسى الأحزاب التي نبتت والتي ما زال عديد أعضائها الى اليوم لا يتخطّى العشرات... كل هذا ليس مهمّاً، المهمّ التسويق واللوغو(الشعار) والكونتنت (المحتوى). تفجّرت عبقريات الديزاينرز(المصممين) والكرييايترز (المبدعين). تحوّلت السياسة في هذه المرحلة الى عمل تسويقي بامتياز يضاهي التسويق لأي منتج، كالحفاضات ومعجون الاسنان.
بالتوازي كان الطامحون للترشّح قد بدأوا تحضير ربطات العنق والبدلات الرسميّة، فأمّ المعارك على الأبواب وتحقّق الحلم على مرمى صندوق.
الرابعة: ينطبق عليها المثل الشّعبي القائل "اوّل دخولو شمعة ع طولو".
كنت من الّذين عملوا في الانتخابات النيابية الأخيرة على مضض لقناعتي بأنّ النتيجة ستكون خسارة مدوّية لـ17 تشرين بغضّ النّظر عن نتائج الصناديق، وذلك لسببين: الاوّل والأهمّ هو انعدام وضوح الرؤية لدى المجموعات وغياب أي هدف محسوس من خوض الانتخابات. هذا السبب يأخذنا إلى الثاني: في ظلّ هذا الفراغ الفكري تتحوّل الانتخابات في دولة مثل لبنان إلى وسيلة لاكتساب النظام المزيد من المناعة عملاً بالقاعدة الّتي تقول "كلّ مصيبة تصيبني ولا تقتلني، تقوّيني".
أن تحصل قوى 17 تشرين على 13 مقعداً نيابياً فقط في ظلّ انهيار البلد المدوّي شأن يستدعي التوقّف مطوّلاً عنده. اختزال المعادلة بنظريّة أنّ النّاس عمياء في تبعيّتها ليس سوى هروبٍ إلى الأمام وتهرّبٍ من تحمّل مسؤولية الفراغ الفكري الذي دفع بالناس إلى التّجديد للمنظومة: حصدنا ما زرعناه.
المطلوب اليوم عمليّة نقد ذاتي تبدأ بالتنبّه الى ما يسمّيه اختصاصيو وباحثو العلوم المعرفية "وهم المعرفة". النّاس عادةً لا تعير الانتباه الكافي لمحدوديّة معرفتها. فعندما نكون نعرف القليل ونظنّ أنفسنا خبراء، نكون قد وقعنا في شرك "وهم المعرفة". شعورنا بأنّنا خبراء يدفعنا للتحدّث كالخبراء. وعندما نتوجّه لأشخاص محدودي المعرفة أيضاً سيتعاملون معنا على أساس أنّنا خبراء، ما يعزّز وهم المعرفة لدينا.
مطلوب اليوم هذا التّواضع من أجل العودة الى روحيّة 17 تشرين الاوّل.
هذا "التّشرين" الذي صنع من خريف لبنان ربيعاً، والذي نصبت فيه الناس الخيم كلّ بساحته ليقولوا أنّ كلّ ساحات لبنان وطرقاته وشوارعه وأحراجه وأنهره وشواطئه هي حلبة صراعنا مع النظام، إمّا نُسقطه أو يخنقنا!
هذا "التشرين" الذي أعطى أملاً بأنّ لبنان لا يعرف المستحيل، لا بد من استعادة روحيته من أجل البناء على أسسه لمستقبل أفضل.
(*) ناشط سياسي