محمد آية الله طبار

غياب المنطق في تصرفات حكّام إيران المتشددين

19 تشرين الأول 2022

المصدر: Foreign Affairs

02 : 00

الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي في طهران - آب 2022
إعتادت إيران الاحتجاجات الحاشدة، لكن تشير التظاهرات التي أطلقها مقتل الشابة مهسا أميني (22 عاماً) على يد «شرطة الأخلاق» إلى نقطة تحوّل مفصلية. منذ أسابيع، أثبتت النساء الإيرانيات شجاعة فائقة واستعدادهن لمقاومة قوات الأمن في المدارس، والشوارع، وفي كل زاوية من الأماكن العامة. لقد وقفن بكل شجاعة على مفارق الطرقات، وشاركن في مسيرات حاشدة في معظم الشوارع الرئيسة، واحتللن الساحات، وأطلقن الهتافات خلال التجمعات في المدارس، ونزعن الحجاب عن رؤوسهنّ لتحدي قيود الدولة.

تنذر هذه المقاومة العنيدة في وجه حملات القمع والاعتقالات الوحشية ببداية احتجاجات مطولة في أنحاء البلد. لقد تغيّر معنى حجاب المرأة فجأةً، فأصبح سلاحاً رمزياً ضد النظام، وقضية جامعة بين مختلف شرائح المجتمع، وأداة فاعلة لحصد الدعم العالمي.

لا تُعتبر الاحتجاجات التي تجتاح إيران مجرّد تظاهرات ضد ارتداء الحجاب الإلزامي، بل إنها تعارض نظاماً لا أمل في إصلاحه. يبدو أن غطرسة الجمهورية الإسلامية هي التي أضعفت قدرتها على المناورة لإخماد الاحتجاجات. من المعروف أن الحكومة المحافِظة، بقيادة الرئيس إبراهيم رئيسي، تبقى مقرّبة من المؤسسات الدينية التي يديرها المرشد الأعلى، آية الله علي خامنئي، لذا يظن عدد كبير من الإيرانيين أن جميع العمليات الانتخابية والمقاربات السلمية لم تعد كافية لإحداث التغيير. تستطيع الجمهورية الإسلامية أن ترتكب أعمال عنف هائلة ضد المواطنين. لكن في ظل غياب أي عقد اجتماعي جديد، قد لا ينتج غضبهم واستياءهم إلا المزيد من المواجهة والتمرد.

تضامناً مع المحتجين، تقصّ النساء الإيرانيات داخل البلد وخارجه شعرهنّ. وبدأت الممثلات ينزعن حجابهنّ، مع أنهن يعرفن جيداً أنهن قد يواجهن حظراً دائماً بسبب هذا النوع من التصرفات. لا تشتق معارضة النظام من الفئات العلمانية في المجتمع فحسب، بل إن النساء المتدينات اللواتي يرتدين الشادور الأسود الذي تفضّله الدولة لا يترددن في انتقاد القانون الإلزامي. ظهرت فاطمة سبهري، ناشطة إيرانية في مجال حقوق المرأة تقيم في مدينة «مشهد» المقدسة، على قناة تلفزيونية فضائية لانتقاد النظام بقسوة بعد قتل المحتجين. هي استنكرت صمت خامنئي بعد موت نساء إيرانيات على يد الشرطة. أصبح ذلك الصمت أكثر وقعاً بعد ردة الفعل القوية التي أطلقها المرشد الأعلى على مقتل جورج فلويد على يد الشرطة في الولايات المتحدة، في العام 2020. قالت سبهري إن «لسان خامنئي حينها كان أكبر من عمامته»، وسرعان ما اعتُقِلت بعد وقت قصير على هذه المقابلة، ولا تزال محتجزة حتى الآن.

قد تطلق الموجة الراهنة من الاحتجاجات، بقيادة النساء ومعارضي المعايير التي تفرضها الدولة الإيرانية الثورية على المجتمع باسم الدين، اضطرابات متزايدة مع مرور الوقت. قررت الجمهورية الإسلامية ألا تتساهل في تطبيق قوانين فرض الحجاب رسمياً، مع أنها تواجه موجة متوسعة من الغضب الشعبي. قد تنسف هذه الخطوة مصدر خلاف غير ضروري وتمنح الحكومة عدداً من المناصرين الجدد. لكن كان الحجاب في السابق رمزاً قوياً، فقد اعتُبر طابعه الإلزامي مؤشراً على هوية الدولة الإسلامية المزعومة. إذا سمحت الدولة للنساء بنزع الحجاب إذاً، قد تتزعزع بنية الحُكم الديني وتنهار في نهاية المطاف. كذلك، قد يدفع أي تعديل في قانون فرض الحجاب بالإيرانيين إلى زيادة مطالبهم، فيطالبون مثلاً بإنهاء الحُكم الديني بالكامل. من وجهة نظر النظام، يُعتبر الحفاظ على أسلوب اللباس هذا أداة عملية لضمان صمود الجمهورية الإسلامية.

ألقت الاحتجاجات الأخيرة بثقلها على النظام لدرجة أن تفكر السلطات بالتساهل والسماح ببعض التعديلات السياسية الضمنية. أصرّ خامنئي في الفترة الأخيرة على اعتبار شريحة من النساء اللواتي لا يرتدين «الحجاب الكامل» من «أكبر مناصري الجمهورية الإسلامية». برأيه، لا تُعتبر هذه الفئة غير وطنية لمجرد أنها لا تلتزم بقواعد اللباس الإسلامي الصارمة. في غضون ذلك، تذكر مصادر معينة أن شرطة الأخلاق اختفت من الشوارع منعاً لاستفزاز الشعب. وتعرض وسائل الإعلام الحكومية طوال الوقت نساءً محجبات جزئياً، وتجري مقابلات معهنّ لنشر شكلٍ من القبول والوحدة واسترجاع الوضع الطبيعي. تتوقع النُخَب المحافِظة أن تتبنى الحكومة سياسات اجتماعية جديدة لتخفيف جزءٍ من قواعد فرض الحجاب، لكن من دون تغيير القانون بحد ذاته.

قد تُمهّد هذه التدابير، إلى جانب حملات القمع السريعة والجارفة ضد المتظاهرين، لتجميد الصراع لكنها لن تعالجه بالكامل. يتابع المحتجون تحدي الجمهورية الإسلامية عن طريق العصيان المدني، ويزداد الوضع خطورة على الدولة بسبب الظروف السياسية الشائكة. لاحظ الإيرانيون نشوء حكومة «مُنتخَبة» بموازاة الدولة الدينية القائمة. هم لا يثقون عموماً بقدرة الانتخابات على إحداث تغيير بارز. تزامناً مع استمرار قمع الدولة، قد يدفع فقدان الأمل بعض المحتجين الشباب إلى استعمال العنف لمقاومة النظام. حذّر ناشطون سياسيون إيرانيون من التشابه بين الظروف الراهنة وأواخر الستينات، حين اقتنع جزء كبير من المعارضين بضرورة خوض صراع مسلّح ضد الشاه. بعدما أغلق النظام الملكي المدعوم من الولايات المتحدة جميع القنوات السياسية في تلك الحقبة، توسّعت الفئات المتطرفة سراً في إيران وحذت حذو الثوار الماركسيين المسلّحين في دول مثل الجزائر، والصين، وكوبا. مهّدت أعمال العنف اللاحقة، رغم قمعها من الشاه، لاندلاع الثورة الإيرانية في العام 1979.

في ظل غياب أي قنوات انتخابية، يبدو المشهد السياسي اليوم منقسماً بين المعسكر الذي يحذّر النظام الأحادي من تفكك البلد، والمعسكر المقتنع بأن النظام الأحادي وحده يستطيع تجنّب هذه الكارثة. لا يشعر هذان الفريقان بالقلق من انهيار الدولة فحسب، بل إنهما يخشيان أيضاً أن تندثر حضارة البلد كلها، فتنهار هذه الأمة القديمة بالكامل.

إذا استمرت الاحتجاجات أو وصلت إلى مستوى الانتفاضة الشاملة، قد تضطر الجمهورية الإسلامية للجوء إلى وسائل أخرى لقمعها. سبق واستعملت الصدمات الخارجية في الماضي لكبح حركات المعارضة. ساهم استيلاء الإسلاميين على السفارة الأميركية في طهران، في العام 1979، في إنهاء الحركة الطلابية اليسارية في إيران، فقد سلبت القوى الدينية شعار معاداة الإمبريالية والولايات المتحدة من معسكر اليسار. وعندما قرر آية الله روح الله الخميني، الذي كان المرشد الأعلى الإيراني في تلك الحقبة، أن يدعم أخذ الرهائن الأميركيين، رحّبت مجموعة من الناشطات اليساريات البارزات بقانون اللباس الديني وعبّرت عن دعمها له باعتباره نهجاً معاديـــاً للإمبريالية. كذلك، مهّد غزو صدام حسين لإيران، في العام 1980، لترسيخ قوة الجمهورية الإسلامية، فقد وقف الإيرانيون إلى جانب النظام للدفاع عن بلدهم في وجه الهجوم العراقي. هذا التهديد على الأمن القومي ساهم في إسكات المعارضة.