جورج بوعبدو

رداً على "تغريدة" وزير الثقافة المغرضة أدباء يستنكرون تغيير "وجه لبنان الثقافي"

21 تشرين الأول 2022

02 : 01

ملصق المهرجان

من بلد الثقافة والحرية والإنفتاح الى بلد التخلّف والقمع؛ مؤلم فعلاً هذا التراجع المخيف الذي يشهده بلد الثقافة والنور. كأنها خطة مبرمجة للمضي بالبلد النابض ثقافة وحياة الى جحيم بألف لون ولون يقضي على ما تبقّى من هويته وصبغته الثقافية. فإن كان ثمة ما يميز لبنان عن محيطه فهو ميزة الانفتاح والتعددية وتلك القدرة على جمع حضارات مختلفة في بوتقة واحدة كمهرجان أبدي للثقافات يحتفي بالثقافة والعلم. والحرية الثقافية التي طالما أغنت لبنان يبدو أنها لا تروق للبعض المصر على تقويض ما تبقى من متنفس لدى الشعب الرازح تحت ألف مصيبة ومصيبة، وإلا كيف نفسر تغريدة وزير الثقافة الاخيرة التي أرخت بظلالها على مهرجان الكتاب الفرنكوفوني فألغى عدد من الادباء الفرنسيين مشاركته في المناسبة احتجاجاً على مضمون التغريدة الرجعي والقمعي؟



«وزارة الثقافة في # لبنان لن يكون بمقدورها، قانوناً وانتماءً إلى الحق أن تفتح الباب لثقافة صهيونية ولو مقنعة #نكمن_في_التفاصيل»؛ كتب وزير الثقافة محمد وسام المرتضى. غريبة هي تغريدة الوزير خصوصاً من حيث التوقيت في برهة تُبرم فيها صفقات التخلي عن ثروات الوطن «على عينك يا تاجر» باتفاقيات مبرمة مع العدو قوامها التنازل عن حقول بحرية اعترف الاخير بأحقية لبنان بها سابقاً لتعطى بعد برهة له على «طبق من فضة» من دون أن يحرك «الغيارى» على الوطن ساكناً.

وكما في كل مرة تتم فيها ممارسة القمع الفكري تنشأ حركة عكسية تناضل لاعادة لبنان الى «الصراط المستقيم» وترتفع أصوات الفكر والعلم المنددة بمحاولات إغراق البلاد في العصور الظلامية.

«نداء الوطن» جالت على مجموعة من أبرز أهل الفكر والقلم لاستطلاع آرائهم حول البلبلة التي أثارتها تغريدة الوزير وعادت بردود الفعل التالية.

الروائي والكاتب شريف مجدلاني عبّر عن أسفه الشديد لما آلت اليه الظروف في الآونة الأخيرة فعلق قائلاً: «منذ ثلاثين عاماً وهم يقولون لنا إنه ليست هناك دولة أو حكومة ولكنني أعتقد بصراحة بأنه لدينا دولة ولكنها تعمل على أذيتنا بكل بساطة. فالسلطة لم تكن يوماً لممارسة المصالح وخدمة الأغراض الخاصة؛ وهي قطعاً ليست لتبوؤ المناصب وكسب المال. فمفهوم السلطة عندنا خطأ وممارسة المسؤولين بحقنا سيئة جداً. فالوزارة تعمل عكس الثقافة بقمعها مهرجاناً أدبياً فنياً ودولياً يعيد تموضع لبنان على الخارطة الثقافية العالمية مجدداً. فهو ليس مهرجاناً فرنسياً فحسب؛ بل هو مهرجان عربي وعالمي يتوافد إليه الكتّاب من مختلف أصقاع العالم».

ويضيف مجدلاني مستهزئا: «هؤلاء لا يعملون لصالح البلد الذي اعتدناه بل في سبيل بلد آخر يتخيّلونه على مقاسهم. فهم لا يريدون لبنان الذي نحب ونطمح إليه، وأقصى طموحهم هو تقويض جهودنا في هذا الاتجاه». ويختم مؤكداً: «لنكن متفائلين. ربما كانت التغريدة ضرباً من السذاجة أو قلّة المعرفة. وأنا متأكد أنهم في وزارة الثقافة لا يعرفون حتى من هم الكتّاب والارجح انهم لم يقرأوا حتى شيئاً من مؤلفاتهم!».

بدورها أكدت الروائية والكاتبة هيام يارد أن هذا النهج القمعي يحاول المساس بخصوصية لبنان، بالتعدي على الحريات ومنع التعددية التي يتميز بها البلد. «في حال قبلنا بما يجري نسهم في سلب لبنان ميزته الاساسية وتغيير وجهه الثقافي بتشويه مقيت. علينا النضال بكل جوارحنا كمثقفين ولبنانيين دفاعاً عن هذه الخصوصية للحفاظ على التعددية وحرية التعبير ولن نقبل بهذا النوع من الإرهاب الفكري أبدا».

لم يكن رأي الكاتب والاديب عيسى مخلوف مغايراً فهو أوضح قائلاً: «وزير الثقافة اللبناني هو وزير سياسة لا وزير ثقافة. المنطق الثقافي يختلف عن التوجُّه السياسي وحساباته. نحن ضدّ التطبيع مع إسرائيل، لكن مواجهة دولة إسرائيل لا تكون بإطلاق الشعارات والخطابات، ولا حتّى بالسلاح وحده فحسب، بل أيضاً بالثقافة والمعرفة، وبالمدارس والجامعات والكُتب. وهذا أيضاً أحد أوجه الصراع مع إسرائيل، ولا يمكن القفز فوقه وتغييبه في أيّ حال من الأحوال.





في هذا السياق، سأكتفي، هنا، بطرح بعض الأسئلة: كم عدد الكتب التي تترجمها إسرائيل سنوياً مقابل عدد الكتب التي يترجمها لبنان والعالم العربي بأكمله؟ مع الأخذ في الاعتبار نوعيّة الترجمة وقيمتها العلميّة؟ ما هي مخصّصات البحث العلمي في الدول العربيّة وحجمها بالنسبة إلى إجمالي الناتج المحلّي قياساً على ما تخصّصه إسرائيل في هذا المجال لتطوير العلوم والتكنولوجيا والابتكار؟ أليس استيعاب أهمية هذا العامل إحدى ضرورات المواجهة مع المُحتَلّ. أي أنّ هذه المواجهة تحتاج أيضاً إلى كُتُب وعلم وثقافة، في عالم لا يلتفت إلى الضحيّة إذا لم تلتفت هي إلى نفسها.





الكُتُب - كلبنان الذي كنّا نحلم به - مُرادف للتعدُّد والانفتاح والحرّيّة. لكن هناك من ينقضّ، منذ ثمانينات القرن العشرين، على هذا البُعد الذي تميّز به البلد الصغير ضمن محيطه وفي العالم، وكان إحدى ركائز وجوده الأساسيّة. إنّ التشبُّث بالقضاء عليه اليوم يعني القضاء على هذا الوجود برمّته.

نعم، إسرائيل دولة احتلال، لكنّ الجهل أيضاً (ومن ضمنه تدمير الثقافة وفرض الرأي الواحد المُطلَق بالقوّة، بعد تدمير الاقتصاد والمَرافق الأُخرى)، هو أيضاً أحد أشكال الاحتلال».

الروائية كارول عجمي عبّرت عن استيائها بالتأكيد على أن الحزن اليوم يلف المثقفين وما تبقى من «أدمغة» في لبنان. وتشير بأسف الى ان «المنظومة أمعنت في تهجير الأدمغة، فما حصل مع إنفجار بيروت وسقوط أكثر من 230 ضحية وآلاف الجرحى وتدمير العاصمة ما كان كافياً؛ ولم يكن ناقصاً إلا تنفيذ الإرهاب الفكري بحق الشعب. فالارهاب الثقافي خطير جداً على المجتمع وعلى حرية التعبير». وتتابع بنبرة حزينة: «رغم كل ما نتخبط فيه من ازمات تحاول بيروت النهوض مجدداً ولكنهم لا يريدون ذلك. أربعة أعضاء من لجنة حكم Goncourt عدلوا عن السفر الى لبنان خوفاً من التعرض لهم معتبرين أن تغريدة المرتضى هي نوع من الترهيب. يؤسفني ان يعمل وزير الثقافة على إبعاد المثقفين الكبار ومنع بيروت من النهوض؛ بيروت التي برغم الحروب والأزمات ما زالت تنشر الفكر الحر وتؤدي دوراً ثقافياً طليعياً في المنطقة. أسأل المعنيين عن مبررات هذا الإرهاب الفكري ولماذا يحكمون علينا بثقافة الموت؟ هل من المنطق أن ينحدر لبنان الى هذا الدرك بعدما كان منبراً للفكر والحضارة في العالم؟». وختمت عجمي مؤكدة: «ليست الضربة موجهة للمهرجان فحسب بل للبنان ككل على امتداد مناطقه كافة فهل نحن سائرون على درب «ثقافة الموت» التي ستتحكم بمفاصل البلاد من الآن وصاعداً؟».

الأديبة إيمان حميدان نددت بما حصل بشدة قائلة بنبرة مستاءة وبأسى بالغ: «لا يكفي انهم تسببوا بانهيار اقتصاد لبنان وشتتوا اهله ودمروا ثلث عاصمته، بقي ان يدمروا ثقافته وتعدديته وحرية التعبير فيه. اليوم يطل علينا وزير الثقافة متدخلاً في ما لا يعنيه. أليس من الاجدى به كوزير للثقافة العمل على اعادة الفنانين والادباء اللبنانيين الذين هُجّروا قسراً من وطنهم بسبب الفقر والحاجة وانعدام مساحات التعبير عن الرأي؟ أليس حرياً به مساندة الادباء الذين باتوا عاجزين عن دفع فاتورة تأمينهم الصحي؟ أليست تلك مهمة أنبل من إلقاء الخطابات الوطنية الواهية والفارغة المضمون والعاكسة لفكر توتاليتاري قمعي؟ كفى استحوا! اخجلوا قليلاً... هذا ان بقي لديكم شيء من الحياء!».

الباحثة مارلين كنعان اعتبرت ان المسألة تسهم بانقطاع لبنان عن العالم الثقافي والفكري وزيادة عزلته. «هل المطلوب هو التقوقع؟»؛ تقول كنعان. وتتابع بسخرية: «لا أعلم ان كان الوزير يعرف هؤلاء الأدباء أصلاً. والموضوع مضحك فعلاً نشر التغريدة وقام بحذفها. بدلاً من العمل على تعزيز انفتاح البلد على العالم بأسره نشهد من يريد جر البلاد نحو الرجعية والتقوقع وهذا لا يشبه لبنان الذي ترعرعنا فيه!».