جاد حداد

Wild Is the Wind... عن التمييز العنصري والفساد

5 تشرين الثاني 2022

02 : 01

تدور أحداث هذه القصة القاتمة في مروج جنوب أفريقيا، وهي تكشف الاضطرابات العرقية الكامنة وراء المظاهر الخارجية. ربما أُلغِي الفصل العنصري هناك منذ ثلاثة عقود، لكن يبقى الخلل في ميزان القوى بين سكان جنوب أفريقيا البيض والسود قائماً، وتتّضح هذه المشكلة تحديداً في البلدات الأصغر حجماً.

يكون "فوسي" (موتوسي ماغانو) و"جون" (فرانك روتنباخ) محققَين مرموقَين في الشرطة في بلدة مماثلة. الأول أسود والثاني أبيض البشرة، لكنّ الانتماء العرقي لم يؤثر يوماً على علاقتهما الوثيقة. يجني الرجلان دخلاً إضافياً من أعمال جانبية لإعالة عائلتهما، وترتكز تصرفاتهما على مبدأ بسيط: الغاية تبرر الوسيلة. يضع هذان الشريكان الفاسدان خططاً كبرى ويتورطان في لعبة محفوفة بالمخاطر. في إحدى الليالي، يقتل الرجلان أعضاء في وكر مخدرات خلال عملية غير رسمية. يعطي "فوسي" كمية الكوكايين المضبوطة إلى زعيم عصابة محلي اسمه "مونغو" (براندون دانيالز). لكن حين تقترب هذه الصفقة المربحة من الانتهاء، تُقتَل شابة بيضاء البشرة في المنطقة ويُصادِف أنها نسيبة العمدة، فيتورط سلك الشرطة في مشاكل سياسية كبرى. يستلم "جون" شخصياً تلك القضية، مع أن "فوسي" يبذل قصارى جهده لثنيه عن هذه المهمة، وسرعان ما ينجرّ المحققان إلى مأزق خطير.

يرتكز الفيلم بشكلٍ أساسي على مواضيع التمييز العنصري والعنف ومشاعر البغض الناشئة. في بلدٍ يُفترض أنه تجاوز ماضيه الشائب، يسهل أن تتأجج الكراهية بين الناس سريعاً. تفرض جريمة القتل ضغوطاً هائلة على العلاقة المتينة ظاهرياً بين "فوسي" و"جون". هما يتفقان في معظم المواضيع قبل وقوع الجريمة. يهتم "جون" بصديقه ويتعاطف مع صراعاته، مع أن الفيلم لا يناقش موضوع العرق المعقد بالتفصيل. لكن في منزل عائلة الفتاة المقتولة، يحصل تحوّل بارز. لا يمكن مواساة والدَيها بأي طريقة، ويقول "فوسي" لشريكه "جون" في الخارج إنه الشخص الوحيد الذي يُفترض أن يأتي إلى منزل العائلة لأن الأبوين غاضبان بكل وضوح من "الرجل الأسود" الذي ارتكب تلك الجريمة المشينة، حتى لو لم يُعبّرا عن مشاعرهما صراحةً. لذا يعتبر "فوسي" وجوده هناك غير مناسب.

يجيبه "جون" بأن رغبتهما في معرفة الحقيقة طبيعية وأن جميع المشاكل لا تتعلق بالانتماء العرقي. وفي مشهد سابق، يطلب "فوسي" من "جون" أن يتخلى عن القضية، فيأخذان أموال المخدرات ويتركان كل شيء وراءهما. لكن يخبره "جون" بأنه مضطر لاستلام القضية، فيذكّره "فوسي" بأن قسم الشرطة كله متأهب لمجرّد أن الضحية هي نسيبة العمدة وبشرتها بيضاء. وعندما يتكلم "جون" عن العدالة، يجيبه "فوسي": "العدالة؟ كم عدد الأطفال السود الذين قُتِلوا هذه السنة؟ وما عدد القضايا التي كشفت الحقيقة"؟ قد لا يكون الوقت مناسباً لهذا النقاش، لكن يتطرق "فوسي" إلى واقع شائك.

سرعان ما تصبح هذه العلاقة سامة بسبب عجز الطرفَين عن إقامة أحاديث محرجة، أو التكلم عن ردود أفعال شائبة، أو التعبير عن مشاعر مكبوتة. لكن لن تبدأ هذه الصداقة بالتفكك إلا حين تتعرّض لضغوط هائلة وتصبح جميع الأفكار التي يُعبّر عنها الرجلان قادرة على التفريق بينهما. ترتكز القصة في جميع فصولها على التلاعب المتواصل، وتعيش زوجتا الرجلَين أكبر معاناة بسبب هذه الأحداث كلها. في غضون ذلك، يعود سجلهما الفاسد في سلك الشرطة منذ سنوات ليطاردهما على شكل قاتل مختلّ.

قد يكون التمثيل مبهراً، لا سيما أداء موتوسي ماغانو، لكن تتعدد الثغرات في الحبكة الأساسية. كيف ينجو "فوسي" بفعلته مثلاً بعد مهاجمة العمدة (وهو أبيض البشرة) عند وصوله إلى مقر إقامته لمعالجة خلاف محلي؟ وما هو دور "جون" في حماية شريكه؟ وكيف يستطيع "فوسي" أن يتعقب القاتل بهذه السهولة في أنحاء المنطقة الشاسعة؟

يتطرق هذا الفيلم العنيف والمعقد إلى مواضيع مزعجة ومتنوعة. بدءاً من التمييز العنصري وصولاً إلى العواطف البشرية المكبوتة، تُطرَح جميع المسائل بأسلوب كئيب ومبهم. وإذا فشل "فوسي" و"جون" في معالجة المشكلة الواضحة، ستجازف علاقتهما الشخصية والمهنية باستنزاف بصيص الأمل المتبقي. تتعلق مشكلة أخرى في منطق الأحداث بربط جميع المسائل بالوضع المادي، وكأن المال يُحسّن حياة البشر في نهاية المطاف. إنه منطق مُشوّه في أفضل الأحوال.