سيلفانا أبي رميا

بيار جعجع: أحلُم بفرقة رقصٍ من الصُمّ تصِل إلى العالمية

22 تشرين الثاني 2022

02 : 00

من يعتبر أن الموسيقى والرقص التعبيريّ حكرٌ على فئةٍ معيّنةٍ من الأشخاص المُكتملي الحواس، لم يلتقِ بالشاب الطموح بيار جعجع، ذلك المحارب الذي رفض الاستسلام أمام انتكاسات الحياة واعتلى المسارح والشاشات مُشكِّلاً حالة إستثنائية استطاعت تحريك الخشبة بلغة الإشارة. بدأَت تجربة بيار مع الرقص قبل أن يتمكّن من الفهم العميق للموسيقى. اقتحم عالم الرقص من أبوابٍ عدة منها الفولكلوريّ والمعاصر، الباليه جاز والباليه كلاسيك، ونجح بصياغة طريقته الخاصة في التفاعل مع الموسيقى. الشاب الأصمّ منذ الولادة، هو اليوم على عتبة عامه الـ44، راقصٌ ماهرٌ مُرهَف الإحساس، شغوفٌ بالرقص والموسيقى لدرجةٍ مكَّنَتْهُ من تعليم فنّه للآخرين وممارسته بقُدسيّةٍ تتجاوز التصوّر. نجح عن جدارةٍ بترك بصمته في عالمٍ مليءٍ بالتحديات، هو الذي تمكّن رغم صممه من التفاعل ببراعة مع الموسيقى والسيطرة على حركات جسده. وكان لنداء الوطن معه الحديث التالي:

متى وكيف بدأت الرقص؟

كنت في الثامنة من عمري عندما بدأت أتحسّس رغبتي في الرقص، وكان ذلك عندما رأيت مايكل جاكسن، فأصررت على أن أتسجّل في صفوفٍ متخصّصة، لكن ذلك لم يكن بالأمر السهل كَوني لا أسمع، فبعدما عانيت من حالة صممٍ وبُكمٍ كاملٍ حتى الخامسة عشرة، خضعتُ لعلاجاتٍ وتدريباتٍ مكثّفةٍ لدى أخصائيين استعدْتُ بفضلها جزءاً بسيطاً من السمع والنطق. وخلال هذه المرحلة حصلت على أداة المساعدة على السمع، ما ساهم في تعزيز فهمي الموسيقى وعمّق إحساسي بها، رغم أنّه ليس من السهل الرقص مع هذه الأداة أيضاً.

منذ طفولتي وأنا مُغرم بالموسيقى والرقص. تخرّجت من معهد متخصّص للصم والبكم IRAP، وحصلت على شهادة إجازة في التدريب على السمع والنطق. وفي الرابعة عشرة من عمري دخلت عالم الرّقص وبدأت أتدرّب على الرقص الكلاسيكي بتمارين الباليه التقليدي و»الباليه جاز».





ما هي الصعوبات التي واجهتها؟

عانيت في بداية حياتي الفنية وخصوصاً بسنّ المراهقة من صعوبةٍ في كيفية جعل جسدي وحركاتي تتفاعل مع الموسيقى، لكن بعد تدريباتٍ كثيرة وإصرارٍ كبير استطعت تخطّي الحواجز، وأصبحت اليوم أقدّم دروساً في الرقص التعبيري والمعاصر والباليه الجاز وغيرها داخل معهد متخصّص في منطقة عين عار المتن. أعلّم تلامذة تصل أعمارهم إلى الـ19 عاماً معظم فنون الرقص من سولو وجاز ودبكة.

ما نوع الرقص المفضَّل لديك ولماذا؟

يبقى النوع المفضّل لديّ الرقص التعبيري المعاصر، كونه يشكّل منبراً أنقل من خلاله أحاسيسي إلى العالم. قدّمت الكثير من العروض واللوحات الراقصة هنا وفي الخارج أبرزها «اللغة الأم»، «Entre Chains»، و»تواصل» مع الفنان جورج كرونيس وهو عازف ومغنٍّ ومؤلِّف أغانٍ نمساوي يمتاز بعزفه على آلة «الفيولا دا غامبا»، وغيرها الكثير.

أخبرنا عن مشوارك الراقص؟

تعلّمت الرقص بين لبنان وفرنسا. شاركت في الكثير من الأعمال مع كبار الفنانين، على المسرح وعلى الشاشة الصغيرة. وعلى مسرح المدينة في بيروت افتتحت عرضي الخاص الرسمي الأول بعنوان «اللغة الأم» (تنفيذ وإضاءة وديكور محمد فرحات). كما شاركت في العديد من المسرحيات مع المؤلف الموسيقي اللبناني أسامة الرحباني.

رقصت مع فرق فولكلورية محلية كبيرة من بينها «كركلا» التي أسّسها عبد الحليم كركلا عام 1968. كما شاركت في استعراضاتٍ غنائيةٍ راقصة للمغنية هبة طوجي. وتمكّنت في السنوات الأخيرة من تحقيق حلمي عبر تأسيس معهد للرقص خاصّ بي أعطَيته اسم Pirouette.


هل واجهت أي انتقادات عندما بدأت بالرقص؟


للأسف مجتمعنا يشفق على إنسان الحاجات الخاصة، يسمّيه «مُعاقاً»، ويرجمه بنظراتٍ لا ترحم، أغلبيتها سلبية. 43 عاماً وأنا أحارب من أجل فكرةٍ اعتبرها أهلي والآخرون سخيفة. ولكن رغم كل ذلك واظبْت والحمدالله وصلت.

أحبّ الرقص ولديّ موهبة على الرغم من أنني أصمّ! صحيح أنني لا أستطيع السمع ولكن لديّ إرادة قوية وسأستمرّ.



priouette ثمرة كفاح بيار جعجع


أخبرنا ماذا تشعر وأنت ترقص.

الرقص ملاذي، أشعر معه بالحرية. أستطيع خلاله أن أعبّر، أن أضحك وأبكي وأنتفض، تماماً كما فعلْت خلال تأديتي لوحة «انفجار 4 آب» التي لن أنسى أبداً كمية الألم الذي أحسسته خلالها.

أخبرنا عن تجربتك في Arabs Got Talent؟

تجربة فريدة ومرحلة لن أنساها من حياتي! تمكّنت في البرنامج العربي الضخم هذا من لفت نظر لجنة التحكيم والجمهور العربي الذي صوّت لي حتى وصلت إلى مرحلة التصفيات النهائية، وهو ما أعتبره إنجازاً مهماً خصوصاً أني تلقَّيت تكريماً واهتماماً خاصاً من المطربة نجوى كرم التي قالت لي يومها: «رأيت إبداعاً وفناً وحباً وإحساساً». أمّا العميد علي جابر فقال: «أنت مَثَل كبير للآخرين» وتمنى لو كان باستطاعته منحي «الباز» الذهبي... كذلك أشاد الممثل أحمد حلمي برقصي، قائلاً: «أنت كتلة من المشاعر والأحاسيس ترقص بكل ما لديك».

كيف تكون ردود فعل الناس عندما يعرفون أنك أصمّ وترقص؟

الأكثرية تتفاجأ، بعضهم يمتعض والبعض الآخر يُبدي إعجابه بموهبتي الفريدة. مع العلم أني تعرّضت كثيراً للتنمّر في بداياتي، لكن لا التنمّر ولا فقدان سمعي تمكّنا من الوقوف في وجه إصراري على إكمال ما بَدأْت.

هل تعتقد أن حالتك الطبية تؤثر في أدائك الراقص؟

أبداً فحالتي الطبية اجتَزتُها بكل عراقيلها وتمكّنت من تجييش حواسي الأخرى في سبيل سماع الموسيقى على طريقتي. ومن جهةٍ أخرى أنا أتدرب يومياً بين ساعتَين وثلاث ساعات للحفاظ على رشاقتي، ولا سيّما أني لم أعُد في سنٍ صغيرةٍ نوعاً ما بالنسبة إلى عالم الرقص، وهذه التدريبات هي التي تحافظ على نضارة بشرتي وجسدي الممشوق.

لم تحوّلني حالتي المرضية الخاصة إلى شخصٍ يعاني من العقَد أو الاكتئاب، بل عملت طوال حياتي على زرع الثقة بنفسي معتمداً على إيماني بالله وحبي للحياة، ولجأْتُ للعلاج حتى استعدْت جزءاً بسيطاً من سمعي.

ما حلم بيار جعجع؟

أحلم بالتقدّم وتطوير ذاتي فلا حدود للفن والرقص والموهبة. حلمي تكوين فرقة رقص من الصُمّ خاصّة بي أَجول بها العالم، كما أطمح لعملٍ فنيٍّ كبيرٍ يدمج هذه الفرقة مع فرقٍ عالميّة.


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.