يبدو أن مسار تأليف الحكومة الجديدة عاد إلى نقطة الصفر، لا بل ربما تحت الصفر تحت وطأة برودة مستوى حرارة التواصل والعلاقة بين المكونات السياسية التي يُفترض أنها من فريق واحد كان قد اتفق على تسمية وتكليف الرئيس حسان دياب.
وعلى الرغم من أن بعض المصادر القريبة من عين التينة، تشير إلى أن حركة الاتصالات لم تتوقف أو تنقطع، إلا أنها لم ترَ ملامح لحلحلة قريبة في الملف الحكومي رغم تردي الوضع الإقتصادي وإرتفاع وتيرة الأزمات المعيشية لدى الناس (الإنتحار، المصارف، السرقة) وغيرها من الأمور.
وتستغرب هذه المصادر كيف أن "الطبقة السياسية بكاملها (ونحن منها) تتصرف وكأن لا شيء يحصل في البلد، ويتم الخلاف على وزير بالناقص أو بالزايد". ولا تختلف مصادر نيابية أخرى في التوصيف لجهة أن "الطقم السياسي الحاكم لا يتصرف وكأن هناك مشكلة في البلد".
وعما إذا كانت حالة السجالات وشد الحبال والكباش والمواقف المتباينة ضمن الفريق الواحد، قد تُعيد خلط الأوراق من جديد، تقول مصادر نيابية متابعة لـ"نداء الوطن": "لا يجوز أن الفريق الذي كلف دياب أصبح كل طرف فيه يريد فرض شروطه على الرئيس المكلّف، مرة بحجة ما قبل إغتيال سليماني غير ما بعد اغتياله، ومرة أخرى بحجج غير منطقية وغير مقنعة بينما الناس لا يعنيهم كل هذا الأمر ولم يعودوا يثقون بكل الطقم السياسي الموجود".
الناس كفروا بالطقم السياسي
وتشبّه هذه المصادر الوضع الحالي بمقولة "من يريد المغفرة أو الغفران عليه أن يُعلن التوبة أولاً ثم يغيّر الأداء تمهيداً لإستعادة كسب الثقة والحصول على المغفرة، أما نحن كطقم سياسي جميعاً ، فقد كفر بنا الناس ولا أحد يُريد لا إعلان التوبة ولا تغيير الأداء وفي الوقت نفسه نطلب من الناس المغفرة وأن نبقى نتمتع بثقتهم".
وفي السياق يقول عضو كتلة "القوات اللبنانية" النائب جورج عقيص لـ"نداء الوطن": "إن المطلوب لكي يُعاد وضع الأمور في نصابها وترميمها مجدداً هو ترك الرئيس المكلف تشكيل الحكومة وفقاً للمعايير التي وضعها على أن تضم شخصيات توحي بالثقة والمصداقية للرأي العام، وضمن مهلة محددة، وإلا سوف نذهب إلى خضات كبرى وتفلّت غير محسوب النتائج".
وبمعزل عن الكباش الذي عكسته مواقف رئيس مجلس النواب نبيه بري، وما تلاها من مواقف لـ"التيار الوطني الحر" ورئيس تيار "المردة" سليمان فرنجيه وبيان الرئيس المكلف حسان دياب والرد عليه من بعبدا وعين التينة، تُشير مصادر متابعة إلى أن مرد كل هذه "الحفلة" يعود إلى التبدل والتغيير في المواقف التي إنطلقت من رئيس الجمهورية ميشال عون ومن رئيس "التيار الوطني" الوزير جبران باسيل، حول طبيعة الحكومة، لأن بري من الأساس كان مع نظرية "تكنو - سياسية".
وقد ذهب أبعد من ذلك بالقول: "لن أقف في طريق التأليف فإذا لم يعجبهم رأيي في الحاجة إلى حكومة تكنو - سياسية فليخرجوا حكومتهم لن أعرقل ولن أشارك وسأمنح الثقة".
وتشير المعطيات إلى أن من طرح حكومة سياسية تتوافق مع التطورات الأخيرة هو رئيس الجمهورية، ونقل رغبته هذه إلى عين التينة من خلال المدير العام للأمن العام اللواء عباس إبراهيم، وكان جواب بري بحكومة تكنو - سياسية تضم سياسيين واختصاصيين، لأن التحديات تتطلب حكومة طوارئ إنقاذية، كما نُقل إلى بري أنّ الحكومة شبه جاهزة ويبقى بعض الرتوش، وأنّ هناك من يفرض أسماء معينة".
وتقول مصادر "نداء الوطن": "إن كلام رئيس تيار "المردة" سليمان فرنجية ومطالبته بوزيرين، قد طرحه فرنجية خلال لقائه الرئيس المكلف حسان دياب على قاعدة أنه يقبل بوزير إذا كان للحراك حصة بوزير أيضاً من الوزراء المسيحيين، وإلا فهو يريد وزيرين ولن يقبل بأن تكون الحصة المسيحية لمصلحة باسيل".
وإذ توضح بعض المصادر أن "سبب التوتر وصدور بيان الرئيس المكلف، هو تبلغه من باسيل برفع الغطاء وعدم متابعة المسيرة إذا لم يحصل على ما يريد"، تشير إلى أن "مواقف بري وفرنجية ربما كانت إلى جانب دياب في مواجهة باسيل، حتى لو بينت أنها ليست لمصلحة تشكيل الحكومة".
في المقابل، يرى عضو "اللقاء الديموقراطي" النائب بلال عبدالله أن "أزمة الناس ووجعهم في مكان وما يجري من قبل القوى السياسية وخصوصاً الأكثرية في مكان آخر، فالدولة في غياب تام وهناك جيش من العاطلين عن العمل والأمور قد تتجه نحو ما لا تُحمد عقباه". ويقول لـ"نداء الوطن": "إن ما يحصل في ملف تشكيل الحكومة يشي أن هناك فعلاً تبايناً بين قوى الأكثرية وخلافاً جدياً حول تركيبة الحكومة، وإما أن هناك تريثاً بإنتظار تطور إقليمي أو دولي ما، وإما العودة إلى حكومة لمّ الشمل والوفاق الوطني".
ويتابع: "لا أعتقد أن أحداً من القوى السياسية اللبنانية لديه مصلحة في نشر أو إنتشار الفوضى التي قد تحصل إذا لم يبدأ الحل في بعض الأمور الحياتية، حتى لو كان هناك من يريد هذا الأمر من الخارج، لأن البلد بلدنا والناس ناسنا والعملة الوطنية عملتنا".
يبقى أخيراً الإشارة إلى أن عدم تطرق الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله في كلمته أمس إلى الشأن الداخلي وتحديداً الملف الحكومي، ربما يوحي بأن هذا الملف بعهدة الرئيس بري بالنسبة للثنائي الشيعي، وفق توصيف البعض، بينما يرى البعض الآخر أن مناسبة إطلالته بحد ذاتها جعلته يبتعد عن إقحامها في الملف الداخلي.