جولة على سجالات الأسبوع السياسيّة في مواقع التواصل الاجتماعيّ شملت العنوانَين التاليَين: "الثورة الإيرانية بقيادة رقمية"، و ""الحزب" غاضب".
الثورة الإيرانية بقيادة رقمية
بعد أسابيع من الاحتجاجات المتفرّقة، دخلت إيران منذ ليل الخميس مرحلة استثنائية في تاريخها، حيث تحوّل المشهد إلى ترقب دقيق ومتواصل على الأرض وفي الفضاء الرقميّ معًا، بالتوازي مع تصاعد زخم الاحتجاجات المعارضة واتساع رقعتها، فيما ارتفع علم الثورة مع "الأسد والشمس"، وهو رمز رسميّ جرى استخدامه لقرون حتى عام 1979.
في الواقع ما كان عليه "تويتر" كمحرّك لـ "ثورة 25 يناير" في مصر عام 2011، أصبحت عليه اليوم منصّة "إكس" (النسخة المحدّثة من "تويتر") التي يملكها الملياردير الأميركي إيلون ماسك. فمن داخل إيران وخارجها، من قادة المعارضة إلى مسؤولين دوليين، كان الجميع على اتصال مباشر بما يحدث لحظة بلحظة عبر "إكس" فيما تدفقت الفيديوات والشهادات التي توثق الاحتجاجات المتزايدة يوميًّا من مدينة إلى أخرى في إيران، إضافة إلى الرسائل السياسية، ما حوّل المنصّة إلى "غرفة قيادة رقمية" متوازية مع الشارع، تتابع وتوجّه كلّ خطوة على الأرض، متجاوزة بذلك أي ثورة سبق أن حرّكها التواصل الاجتماعي.
حتى حركة الطيران في الأجواء الإيرانية رُصدت على "إكس" بدقة، فأيّ تغيير مسار أو اختفاء من الرادار كان يُحلّل ويُعاد تداوله فورًا، لتصبح المنصّة نقطة محورية للتوثيق والمراقبة والتأثير في قلب الثورة.

بهلوي ورجوي بالأرقام
في خضمّ هذه التطوّرات، برز دور ابن شاه إيران السابق، رضا بهلوي، بشكل غير مسبوق أيضًا على المنصّة. فالمَلِك غير المتوَّج، توجّه مباشرة إلى الثوار عبر حسابه الرسمي أكثر من مرة خلال الأيام الأخيرة، داعيًا إيّاهم إلى التجمّع، الاستمرار، وعدم التراجع، ما عزز دوره كـ "محرّك رقميّ للحراك الشعبي". فيما ظهرت وسوم مثل "LongLiveTheShah#" وشعارات مثل "Javid Shah" أي "ليحيا الملك"، في مؤشر على عودة الرمز الملكي بقوّة إلى الخطاب الرقميّ.
في المقابل، اعتمدت زعيمة المعارضة مريم رجوي خطابًا مختلفًا حيث استخدمت حسابها لتحيّي التضحيات، تشكر المحتجين، وتسلّط الضوء على دور النساء في الثورة، من دون توجيه ميداني مباشر.
هذا الفارق في الخطاب انعكس بوضوح على المستوى الرقميّ، إذ لم تتجاوز منشورات مريم رجوي في أفضل حالاتها عتبة 10 آلاف إلى 30 ألف مشاهدة، فيما حصدت منشورات وفيديوات رضا بهلوي أكثر من ثلاثة ملايين مشاهدة لكل منشور، ما وضعه في موقع المتقدّم على مستوى التأثير والتفاعل الجماهيري عبر منصّة "إكس".
تجدر الإشارة إلى أن حسابات تابعة لجماعة "مجاهدي خلق"، الداعم الأساسي لرجوي، كثفت هجومها على بهلوي رفضًا لأيّ دور له في قيادة إيران المقبلة، في موقف يعكس عمق الانقسام داخل صفوف "المعارضة الإيرانية".


دفة ترامب
في ذروة المواجهات، انتقلت الأنظار تلقائيًا إلى الطَّرف الآخر من العالم، حيث الرئيس الأميركي دونالد ترامب، اللاعب الذي اعتاد أن يرسم اتجاهات السياسة الدولية، فتحوّلت منشوراته على منصّته الخاصة "Truth Social" إلى مؤشرات تُقرأ بدقة، ويُنتظر صدورها ليُعاد تداولها على مختلف المنصّات، ولا سيّما "إكس".
من بين أبرز منشوراته، تصريحه: "إذا قتلت إيران المحتجين المسالمين، فإن الولايات المتحدة ستأتي لنجدتهم"، وهو منشور اكتسب زخمًا تصاعديًا كلّما ارتفع عدد الضحايا الذي تجاوز عتبة 2000 قتيل، ثمّ لم يعد السؤال المطروح "هل سيتدخل ترامب؟"، بل: "متى؟". ومع هذا التحوّل، امتلأت "إكس" بنداءات مباشرة تطالبه بالتدخل وإسقاط النظام، بعضها بالتوازي مع دعوات بهلوي، ومرفقة بحساب الرئاسة الأميركية الرسمي "POTUS".
كذلك لاقى منشور ترامب مساء الأحد اهتمامًا واسعًا: "لدينا ثلاثة أشياء لنقولها، اللّه يحمي جنودنا، الله يحمي أميركا ونحن للتوّ بدأنا"، حيث أطلق عدد من الحسابات العالمية والمحلّية العنان للتكهّنات على مثال "الليلة"، و "خلي عينك على إيران"، و "ساعة الرمل" للدلالة على أن الضربة باتت قريبة.
عندما تصبح اللقطة رمزًا
سجّلت الاحتجاجات في إيران لحظات رمزية، سرعان ما انتشرت على نطاق واسع في كافة مواقع التواصل، محوّلة أحداثًا عادية إلى أيقونات في ذاكرة الثورة. من أبرز هذه اللحظات، صورة فتاة إيرانية تحرق صورة المرشد علي خامنئي وتشعل سيجارتها من النار نفسها، كرمز لكسر الخوف من السلطة، وما لبث أن تمثل بها عدد من الشبان والشابات.
في الخارج، تكرّر هذا الرمز، حين أُنزل "علم الجمهورية الإسلامية" ورُفع "علم الأسد والشمس"، على شرفة السفارة الإيرانية في لندن. أيضًا، صورة الطالبة روبينا أمينيان (23 عامًا) بعد مقتلها خلال الاحتجاجات تحوّلت إلى رمز لجيل شبابي دفع ثمن المواجهة. كما انتشرت صور لإيرانيين وهم يستبدلون أسماء عدد من الشوارع باسم ترامب كتحيّة تقدير له.
من جهة أخرى، انتشر على مواقع التواصل شعار "Make Iran Great Again"، أي "لنجعل إيران عظيمة مجدَّدًا"، المستوحى من حملة ترامب "Make America Great Again" كرمز لتغيير النظام. كذلك نشر عدد كبير من المستخدمين عبارة "ALL EYES ON IRAN" أي "كلّ الأنظار على إيران".

أسواق التنبّؤ
في موازاة ذلك، انتقلت المتابعة إلى أسواق التنبؤ، لا سيّما عبر منصّة "Polymarket" التي عرضت احتمالات سقوط النظام وانتقال مرشده إلى روسيا، لتأتي النتيجة كالتالي: 29 % قبل 31 آذار المقبل، و 42 % قبل 30 حزيران. وخلال الأيام الأخيرة، عاد حساب "مؤشر البيتزا" إلى الواجهة، مشيرًا إلى ارتفاع الطلبات قرب مراكز القرار العسكري الأميركي، ومذكِّرًا بأن الحرب السابقة اندلعت بعد تغيّر المؤشر بأقلّ من 24 ساعة، رغم عدم ثقة البعض بأرقامه.
بالتوازي، انتشرت تقارير عن حشد أميركي في مواقع استراتيجية في الشرق الأوسط ليقرأها البعض كإنذار بالتدخل العسكري الأميركي.
علم و "إيموجي" وشعار
ونهار الجمعة، ظهر "إيموجي" علم إيران الذي تعتمده الثورة الذي يتضمّن الأسد والشمس على "إكس" دون سواها من منصّات، كدعم مباشر من ماسك للمعارضة الإيرانية، فجرى تداوله بكثافة من ناشطين معارضين. لكن المنصّة عمدت أيضًا إلى استبدال العلم الإيراني الموجود في حسابات إيرانية رسمية، بالعلم الجديد، ما أثار موجة سخرية واسعة وتعليقات لاذعة واستهزاء علني بالمؤسسات والحسابات الرسمية الإيرانية.
كذلك انتشر "علم الثورة" على نطاق واسع على الأرض والمنصّات كافة من قبل داعمي الثورة.
"ستارلينك" يكسر الحصار
هذا وعمد النظام الإيراني إلى فرض حصار رقمي شامل عبر قطع الإنترنت في طهران ومناطق واسعة، في محاولة لإسكات الاحتجاجات وقطع أيّ تواصل بين الداخل الإيراني والعالم الخارجي. لكن هذه المرّة، لم ينجح العزل إذ فتح إيلون ماسك شبكة "ستارلينك"، التي يملكها أيضًا، للاستخدام المجاني من قبل المتظاهرين داخل إيران، ما سمح بإعادة ربط الداخل الإيراني بالعالم. إلّا أن النظام نجح مجدّدًا في منع الخدمة إلى حدّ ما.
وللمفارقة، استعان المرشد الإيراني علي خامنئي بمنصة "إكس" أيضًا ليوجّه تهديداته ضد الرئيس الأميركي دونالد ترامب حيث وصفه بـ "المتكبّر والمغرور"، كاتبًا أن "الطغاة والمستبدّين مثل فرعون ومحمد رضا بهلوي ومن على شاكلتهم، عندما بلغوا ذروة كبريائهم أُطيح بهم". كذلك استخدم خامنئي المنصة ليدعو مناصريه إلى مظاهرات مضادة دعمًا للنظام القائم. على أن تعليقات على حساب خامنئي بالإنكليزية، أشارت إلى أنه ينشر على "إكس" بينما الإنترنت والاتصالات الأرضية مقطوعة تمامًا في إيران.
اللبنانيون على الخط
من جهة أخرى، لم يجد اللبنانيون أنفسهم خارج أحداث إيران، حيث تفاعلوا معها بكثافة بين مؤيِّد ومعارض، لينعكس الانقسام الداخلي في البلاد بوضوح. التعليقات التضامنية مع الثورة كانت كبيرة وربط البعض مصير لبنان بما يحدث في طهران، خصوصًا في ضوء النفوذ الإيراني في بلدهم. وفي المقابل، واكب مناصرو "حزب اللّه" الأحداث بحذر، مع محاولة عدد كبير منهم التقليل من قدرة الاحتجاجات على إحداث تغيير حقيقيّ، مؤكدين أن أعداد المحتجين ليست كبيرة مقارنةً بإجمالي السكان.
وعندما انطلقت مظاهرات مقابلة من مؤيّدي النظام الإيراني، عمد جمهور "الحزب" إلى نشرها والتباهي بها قبل التشكيك في مصداقيتها، والتوضيح أنها محض صناعة ذكاء اصطناعي، لا سيّما الفيديو الذي يظهر صحافيًا على متن طوافة ينقل صورة الحشود، حيث علّق كثر أن شعره فقط يتحرّك مع الرياح فيما ثيابه ثابتة، كما أن جسده المعلّق على مدخل الطوافة مع المخاطر من وضعيّة كهذه أثار الشكوك.
"الحزب" غاضب
أثار تصريح لرئيس الجمهورية جوزاف عون، حفيظة جمهور "حزب اللّه"، ففي إطلالة تلفزيونيّة له بمناسبة الذكرى السنوية الأولى لتولّيه الرئاسة، مع الإعلاميّ وليد عبود، قال الرئيس عون: "أقول لـ "حزب اللّه": آن الأوان لتتعقلن".
هذا التصريح شكّل شرارة دفعت بناشطي "الحزب" إلى التعبير عن استيائهم بشكل فوريّ وعلنيّ، عبر منشورات وفيديوات وتعليقات غاضبة وصلت حدّ شتمه واعتماد لغة لا تليق بالكرسيّ الرئاسيّ.
في المقابل، أشاد مناصرون مناهضون لـ "الحزب" بالتصريح ورأوا فيه توجّهًا جديًّا نحو حسم الملف، فيما امتعض البعض الآخر من عدم قيامه بالحسم الفوري فكتب أحدهم: "بدل توجيه الرسائل عليه عقد جلسة للحكومة لحلّ الجناح العسكري والأمني والمالي لـ "الحزب" وحلّ التنظيمات الفلسطينية المسلّحة".
بدوره، أغضب بيان الجيش اللبناني يوم الخميس جمهور "الحزب" ولا سيّما عبارة "الجماعات المسلّحة" في سياق منعها من إعادة بناء قدراتها، فكتب أحدهم أن هذه "الجماعات" كانت: "درع الوطن والخط الأماميّ الذي دافع عن الجيش والحدود".
على أن مناهضي "الحزب" كانت لهم تعليقات إيجابية فرأى أحدهم أنها: "خطوة غير مسبوقة في تعاطي الجيش مع "الحزب" وتحمل دلالات في هذه المرحلة الفاصلة". كما فسّرت أخرى الأمر بوجود تحوُّل "اعتماد عبارة الجماعات المسلّحة بدل المقاومة"، في إشارة إلى "تحوّل في المقاربة الرسمية لشرعية السلاح". علمًا أن رئيس مجلس النواب نبيه بري أصدر بيانًا أشاد فيه ببيان الجيش ونشره حساب "حركة أمل".
