عماد موسى

مراهق في مسرح روميو

24 تشرين الثاني 2022

02 : 00

في مراهقتي الثانية ما عرفت شيئاً عن المسرح. أو بالأحرى لم أشاهد أي مسرحية. السينما أقل كلفة. بستين قرشاً كنا نحضر فيلماً في منتصف الأسبوع. الـ»أمباسي» أو الـ «ليدو» متاحتان فقط. الـ»راديو سيتي» والـ»أمبير» والـ «متروبول» خطوط نار كانت.

أول مسرح قصدته، كان الـ «إليزيه» في ساحة ساسين حيث عرض روميو لحود خمس أو ست مسرحيات في عز الحرب، وفي الحقيقة كان مقصدي تمضية وقت مرح مع صديق اسمه طوني، عمل في مسرح روميو كبائع بطاقات، وكموزّع للفائض منها على أصحابه ممن يحسنون التصفيق، إلى جانب مهمات إدارية بسيطة. بمرور الوقت تغير اسم طوني وصرنا كشلّة نناديه لحّود، ومنه نستقي أخبار الممثلين ونسطو على علبة سجائره، وهو من أرشدنا إلى دكان صغير يبيع السجائر بالمفرّق: الثلاث بربع ليرة.

بوساطة لحود (أو طوني) لدى صاحب المبنى ومستثمر كافيتريا المسرح المقتصرة خدماتها على المشروبات الغازية وعبوات المياه، وجدتني أعمل، وشقيقي، ليلاً لتلبية عطش روّاد المسرح بين الفصلين.

هناك، في أرجاء المسرح، كنت ألتقي بـ»الأستاذ» وشقيقه ناهي وبزوجتيهما سلوى وألكسندرا ذات الشعر الطويل المائل إلى الإحمرار، وبـ «بابو» و»ناي» و»آلان» و»كوثر» و»فؤاد»...

وهناك سمعت ملحم بركات، قبل أن يسبغ عليه جورج ابراهيم الخوري لقب «الموسيقار»، يغني بفرح «روحي يا روحي عَ دروب الغار»، ويرفع التحدي بـ «أنا الوالي بالوكالة» و»يذوب شجناً بـ «علوّاه يا ليلاه...». لعب ملحم بركات في مسرحية «الأميرة زمرّد» البطولة المسرحية الأولى أمام نجمة مسرح روميو، من العام 1974، سلوى القطريب. بعد وفاة نجمته (2009) وزوجته ( 2010) لم يقدّم لحود سوى إعادتين أو ثلاث. بموتها مات الشغف.

في مسرح الإليزيه، وقف الرئيس كميل شمعون ذات يوم على مسافة مني، وأنا خلف البار اتصفح وجوه المدعوين إلى الـ «بروميير»، وسألني: بعدو طويل الدرج لتحت؟» لا أذكر أنني جاوبت. كان روميو لحّود يحرص على دعوة الرئيس شمعون لحضور كل مسرحياته ويكبّده مشقة النزول طابقين!

هناك، في إليزيه الأشرفية، تدرّجت في حب المسرح. هناك تلصصتُ على تمارين «بنت الجبل» وكان لجلال خوري دور إخراجي (في الظلّ) وسمعت عشرات المرات حوار أنطوان كرباج وفيليب عقيقي، حوار بين الأستاذ والزبّال. وإلى ذاك المسرح دعوت أصدقائي ببطاقات مجانية مشترطاً عليهم المساهمة في التصفيق أو أسحب الدعوة.

في الـ «أل بي سي»، جمعني والأستاذ روميو غير برنامج. كلّ منا في موقعه. هو تحت أضواء الشاشة. وانا في مكان معتم. قبل بدء تصوير إحدى الحلقات فاجأته بانطباعات مراهق السبعينات في مسرح اضفى على الأيام فرحاً، وهي الواردة في المقال، وأخبرني بدوره عن حزن استوطنه، بعدما باع منزله الرائع «في كل زاوية من زواياه كنت ألتقي ألكسندرا وأسمع صوتها وألمح طيفها. لم أستطع البقاء في عمشيت بعد رحيلها» وابتسم لي دامعاً.


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.