ثمانية أيام بقيت خلالها سلوى القطريب معلّقة بين الـ "هنا" حيث الزوج والابنة الوحيدة والأحبّاء، وبين الـ "هناك" حيث كانت روحها تتوق إلى اللقاء بباريها في المدى الأوسع، بعدما أمضت سنواتها الأخيرة في الصلاة والتأمّل والتضرّع إليه زاهدةً بالحياة الدنيويّة. وفي مثل هذا اليوم (4 آذار) من عام 2009 رحلت الفنانة التي عرفتها خشبة المسرح فراشة تتنقّل على نغمات صوتها اللبناني.
بعد 16 عاماً من الغياب، يتذكّر ناهي لحّود، الزوج والمنتج، ذلك اليوم وكأنه اليوم. "مش عم يتغيّر شي، كنت قول يمكن الوقت بيخفّف الوجع، لكن هيدي مرا ما ممكن تنساها"، يبوح لحّود لـ "نداء الوطن"، متابعاً أنّ الصدفة جعلت يوم غيابها هو نفسه يوم عيد ميلاده. نسأله كيف يمضي عادةً هذا النهار، فيجيب "من يومها ما بدّي عيّد". لكنّ ابنتهما الفنانة ألين لحّود، ترفض أن تسيطر ذكرى رحيل والدتها على ذكرى ميلاد والدها، فتجمع له بعض أفراد العائلة حول قالب حلوى، ومن الطبيعي ألّا تغيب ذكرى سلوى عن البال والقلب.
مسلسل سلوى
منذ أشهر طرح ناهي لحّود عبر حسابه في "فيسبوك" سؤالاً عمّن يمكن أن تقوم بدور سلوى في مسلسل تلفزيوني يروي سيرتها. نسأله لِمَ الآن؟ يكشف أنّ الفكرة انطلقت بُعيد وفاة زوجته الفنانة، وكانت الممثّلة نادين الراسي في عزّ حضورها التمثيلي، "عرضتُ عليها الأمر، فرحّبتْ بذلك. لكنّ الأحداث المؤسفة تتالت في أسرتنا، من مرض ألكسندرا شقيقة سلوى وزوجة شقيقي روميو ثمّ وفاتها، ووفاة أختي ألين، فتراجعتْ حماستي للمشروع رغم أنني كنت قد كتبت جزءاً لا بأس به من القصّة".
يتابع لحّود أنه خلال العام الماضي، عادت إليه الرغبة في تنفيذ المسلسل، وللمصادفة شاهد عبر التلفزيون الممثلة رزان جمال في واحد من مسلسلاتها ووجدها مناسبةً لدَور سلوى القطريب في المسلسل. وعن طريق أصدقاء مشتركين، جرى التواصل مع جمال التي رحّبت بالفكرة، "وعلى هالأساس مشيت بالمشروع، فطرحت المشروع على أحد المتموّلين الذي بدوره رحّب بالفكرة". نستفسر عن مسار المشروع، طالما أنّ البطلة رحّبت بالفكرة وجرى التواصل مع المنتج، فيكشف أنّ "الحكي ما بيكفي، لاحقتُ الأمر مع المنتج المُحتمَل فلاحظت أنه غير جِدّي، وبالتالي عاد المشروع إلى نقطة الصفر".
منتجون ولكن!
فكرة مسلسل يروي سيرة شخصيّة معروفة ليست جديدة، لكنّ الجديد هو في تفاصيل سيرة كلّ شخصيّة يجري تناول مسيرتها ضمن عمل تلفزيوني أو سينمائي. يقول ناهي لحّود، صاحب الباع الطويل في الإنتاج الفني خصوصاً المسرحي والغنائي، إنّ قصّة سلوى كما يريدها أن تظهر على الشاشة، ستبدأ من لحظة لقائها شقيقه روميو لحّود، التي كانت لحظة انطلاقتها نحو النجومية في المسرح الغنائي. وإلى الجانب الفنّي في مسيرتها، سيروي المسلسل المنتظَر بعض الجوانب الشخصيّة من حياتها خلال تلك المرحلة.
لكن أليس من الأفضل التعاون مع شركات إنتاج معروفة في المجال وذات خبرة؟ نسأل لحّود الذي يجيب أنّ "المشروع وصل إلى أبرز شركتيْن لبنانيّتين في القطاع، ولم أتلقَّ أي ردّة فعل. وأنا لن أتوسّل أحداً. وفي وقت ما، شاركت ألين في أحد أعمال "شركة الصبّاح" وطرحتُ على منتجيها الفكرة، لم يتجاوبوا، لذا ارتأيت أنّ الأفضل التعاون مع منتج جديد أو أن أحاول تأمين مبلغ لإنتاج المسلسل بنفسي، لكن في الوقت الحالي هذا الأمر صعب".
جوانب خفيّة
إلى الإنتاج يقول لحّود إنّ ثمّة مشكلة أخرى هي اختيار الممثلين، إذ لا يكفي أن نجد البطلة، "فمن هو الممثل الذي سيؤدّي دَوْري المحوريّ في حياة سلوى وبالتالي في المسلسل. أو دَور شقيقي روميو الأساسيّ في مشوارها الفنّي؟". نلفته إلى إمكان الاستعانة بوجوه جديدة بعد إجراء "Casting"، فيقول "بالطبع لا مشكلة في ذلك، وربما هذا أفضل، خصوصاً أنّ روميو كان يحبّ التعاون مع الوجوه الجديدة وإطلاقها، كما فعل مع سلوى في بداياتها وغيرها من نجوم مسرحه".
وماذا عن بعض التفاصيل في سيرة الفنانة الراحلة وتجربتها الفنّيّة، التي قد تكون محرجة لكم أو لآخرين، فهل سترد في المسلسل إن أبصر النّور يوماً؟ يجيب ناهي لحّود "بعض المشكلات لن أتناولها لأنها تافهة وقد مرّت وانتهت بسلام، ولم تكن ذات تأثير بارز. هدفي التركيز على حياتها الفنيّة وبعض الجوانب في حياتها اليوميّة كإنسانة".
شفيعة الفنانين
هنا يكشف لحّود أنّ الفنانة الراحلة لم يكن هدفها النجوميّة، ولم تعش حياة النجمات، ويذهب إلى الجانب الروحي في حياتها، الذي برز خصوصاً في سنواتها الأخيرة عندما ابتعدت عن كل الدنيويّات، ولم يعد يهمّها سوى تمضية الوقت في الكنيسة، حيث كانت تختار الجلوس في زاوية بعيدة من أعين الآخرين. هنا يستطرد لحّود "لا أعرف إذا كان هذا الجانب الدّيني سيتعارض مع بثّ المسلسل عربيّاً!". ويستذكر في هذا الإطار، ما قاله الفنان طوني حنّا خلال حفل تكريم أقامه لحّود لسلوى في عمشيت، ليلتها أطلق حنّا على سلوى لقب "شفيعة الفنانين"، علماً أنّ القدر شاء أن يكون طوني حنّا هو الفنان الذي أطلّت معه سلوى للمرّة الأولى على المسرح، وللمرّة الأخيرة أيضاً، حين دعاها لتشاركه غناء "طال السهر" في حفل لتكريم الفنان الراحل ألان مرعب.
مسلسل سلوى القطريب إذاً ينتظر منتجاً مهتمّاً يتواصل مع زوجها وشريك مشوارها ناهي لحّود، فهل يكون هذا الاتصال هديّة للحّود في عيد ميلاده وذكرى رحيلها؟ وفي وقت لا ينفكّ كتّاب ومنتجو المسلسلات يتحدّثون بفخر عن استقاء قصصهم من الواقع، لمَ لا يكون الواقع بين مسلسل وآخر قصص وجوه لبنانيّة وسيرها من أهل الفن والثقافة، أو العلم والإبداع والنجاحات، وحتى من أهل السياسة؟