د. ميشال الشماعي

هل يَسْلَمُ لبنان في ظلّ حكومة الإختلال؟

3 دقائق للقراءة

ورد في مقدّمة كتاب "إختلال العالم، حضاراتنا المتهافتة" للمفكّر اللّبناني أمين معلوف الصادر في العام 2009 عن دار الفارابي: "دخلنا القرن الجديد بلا بوصلة. لقد أخذت تحصل منذ الأشهر الأولى أحداث مقلقة تحمل على الظنّ بأنّ العالم يعاني اختلالاً كبيراً، وفي ميادين عدّة معاً - اختلالاً فكريّاً، اختلالاً ماليّاً، اختلالاً مناخيّاً، اختلالاً جيوسياسيّاً اختلالاً أخلاقيّاً". لكأنّي بالكاتب يتحدّث عن وطنه لبنان بالذّات وفي يومنا هذا. لقد اعترف اللبنانيّون الأحرار بسقوط مبدأ الهجانة في السلطة. فلم تعد المساكنة التي قامت بين القطبين الآذاريّين، أعني 8 و 14 آذار، قائمة وفاعلة. وبالتّالي إنّ الديموقراطيّة التوافقيّة الفاعلة، إلى حدّ ما، في ما تبقّى من نظم ملكيّة في العالم، قد أُسقطت أمام عتبة الدّيموقراطيّة التعطيليّة التي تفوّق اللبنانيّون باجتراحها على مبتدع الدّيموقراطيّة "بيركليس" نفسه. صحيح أنّ الحكومة " الدّيابيّة" قد تشكّلت، لكنّها إلى حينه لم تأخذ الثقة. وهنا مشكلة قد يضطرّ الطقم الحاكم إلى معالجتها باستخدام القوّة لقمع المتظاهرين الثوّار في حال قرّروا منع النوّاب من الدّخول إلى جلسة الثقة. لذلك، تسعى السلطة لإيصال رسائل للثوّار من خلال تغيير قواعد الصدّ معهم. فبدأنا نشهد نزول شعبة المعلومات والقوّة الضاربة الى الميدان؛ فضلاً عن الحواجز الأمنيّة على الاوتوسترادات لعرقلة وصول الثوّار من الشمال والبقاع والجنوب.

من هنا، لن تستطيع هذه الحكومة المضي قدماً إلا بتجاوبها مع شارع الثّورة. وهذا ما لن يقبل به المايسترو "حزب الله" تنفيذاً للأجندة الاقليميّة، وهذه أبرز علامات الخلل الجيوسياسيّ التي أشار إليها معلوف في مؤلّفه. فالمشكلة الأساسيّة لا تكمن فقط بشكل الحكومة أو بكيفيّة تشكيلها، بل هي في مكان آخر. لقد نجح "حزب الله" بأخذ قسم من اللّبنانيّين أصحاب الامتداد المسيحي الأوروبي إلى بعد آخر شرقي فارسي، ما أضعف قوّة المسيحيّين؛ ناهيك عن سيطرته شبه التامّة على شارعه. تبقى البيئة السنيّة التي لن يستطيع كبح تمرّدها لأنّها تعاني مجدّداً ما كانت تعانيه قبل الحرب البغيضة في الـ 1975. وهذا الخلل الجيوستراتيجي تزامن مع خلل فكريّ دمّر الفكر اللّبناني القائم على الكيانيّة اللبنانيّة، حيث صارت الأفكار التوتاليتاريّة والشخصانيّة مستساغة بين شريحة كبيرة من اللبنانيّين. وبات وجود مرشد يتقدّم على الرّؤساء كلّهم، ضرورة لدى بعضهم؛ وتقديم الطّاعة له في كلّ ما يأمر واجب عليهم. وهذا الخلل لا يعالج إلا بوعي ثقافيّ حضاريّ أرست قواعده ثورة تشرين برفضها المنظومات التأليهيّة التي سيّدت بعض الزّعماء في مجتمعاتهم، وجعلتهم أنصاف آلهة. أمّا جيوستراتيجيّاً فلا يمكن المعالجة إلا بقيام دولة قادرة قويّة بعيدة من الفساد والمحاصصة. وهذا ما لم تقدم عليه الحكومة الدّيابيّة. يكفي أن ننظر إلى مؤشّر الفساد العالمي فلبنان في المرتبة 137، وروسيا 137، وإيران 146، والعراق 162، وفنزويلا 173، وسوريا 178؛ فهذا هو الفلك الذي يأخذوننا إليه. بينما يشنّون هجماتهم الشّعواء على المحور الليبرالي؛ فبات لبنان في منظومة فاسدة دمّرت حتّى المناخ فيه، وأنتجت خللاً أخلاقيّاً لا يعالج إلا بالوعي الذي انتشر اليوم.نحن على الطّريق الصحيح ومخاض الولادة صعب وليس مستحيلاً. ولا بدّ أن يولد لبنان الجديد.