ماركوس بيكر

فضيحة فساد تهزّ مصداقية البرلمان الأوروبي

28 كانون الأول 2022

المصدر: DER SPIEGEL

02 : 00

البرلمان الأوروبي مجتمعاً
يتعامل البرلمان الأوروبي راهناً مع فضيحة رشوة كبرى. لكن تريد المفوضية الأوروبية والدول الأعضاء فيها تعميق العلاقات مع قطر المتورطة في هذه القضية على ما يبدو. يشعر الكثيرون بالقلق من أضرار هذه الفضيحة على الاتحاد الأوروبي.

يوم الإثنين الماضي، أطلقت روبرتا ميتسولا موقفاً قوياً للدفاع عن الحرية، فقالت: «لا تسمحوا لأحد بخداعكم، يا زملائي: البرلمان الأوروبي يتعرض للهجوم. والديمقراطية الأوروبية تتعرض للهجوم».

ثم قدّمت هذه السياسية الديمقراطية المسيحية اليمينية الوسطية من مالطا وصفاً مبهماً لأعداء الديمقراطية المزعومين، فقالت: «يبدو أن الجهات الخبيثة المرتبطة بدول ثالثة تستعمل المنظمات غير الحكومية، والنقابات، والأفراد، والمساعدين والأعضاء في البرلمان الأوروبي، كسلاح بحد ذاته، في محاولة منها لكبح نشاطاتنا».

لكن كان النواب الحاضرون في القاعة العامة يعرفون جيداً الجهة التي تتكلم عنها رئيسة البرلمان. على عكس ما أوحت به ميتسولا، لا يأتي العدو من الخارج بل من أوساطهم الخاصة.

بدأ أعضاء البرلمان يحتجّون على ما يحصل منذ أن أصدر مكتب المدعي العام البلجيكي بياناً صحفياً يوم الجمعة الماضي. تشمل هذه القضية تحقيقات عن الفساد، وتبييض الأموال، والانتساب إلى منظمة إجرامية. يصبّ التركيز على أعضاء حاليين وسابقين في البرلمان وعدد من الموظفين، وتصل الشبهات أيضاً إلى أعلى مراتب البرلمان. اليونانية اليسارية الوسطية إيفا كايلي من الحزب الاشتراكي الديمقراطي هي واحدة من 14 نائباً لميتسولا، وهي تُعتبر حتى الآن من أبرز المشتبه بهم في هذه الفضيحة.

في بروكسل، صادر المحققون حتى الآن حوالى مليون ونصف يورو نقداً. ونشرت الشرطة صوراً تظهر فيها حقائب وأكياس بلاستيكية مليئة بالأوراق النقدية، بما يشبه ما نشاهده في أفلام المافيا.

يقال إن كايلي وثلاثة رجال تم اعتقالهم، بما في ذلك شريكها فرانشيسكو جيورجي، تلقوا رشاوى من دولة خليجية (قطر على الأرجح) مقابل خدمات معينة. تذكر تقارير إعلامية أن جيورجي اعترف بما حصل. لكن أنكرت كايلي، عن طريق محاميها، ارتكاب أي مخالفات، وتنكر الحكومة القطرية أيضاً تورّطها في أي نشاطات غير قانونية.

تُعتبر هذه القضية كارثية بالنسبة إلى البرلمان الأوروبي. سبق وواجه المشرّعون الأوروبيون تُهَماً بتلقي رواتب مفرطة مقابل حد أدنى من الخدمات، ومن المتوقع أن تُعمّق مزاعم الفساد الآن الأحكام المسبقة التي توحي بأن جميع العاملين في الاتحاد الأوروبي يبحثون عن المكاسب.

انتشر مناخ من انعدام الثقة في أنحاء بروكسل. حتى الآن، تقتصر التُهَم على الديمقراطيين الاجتماعيين، لكن تنتشر شائعات عن قضايا أخرى على صلة بأطراف مختلفة في البرلمان. لهذا السبب على الأرجح، لم تُوجَّه أي انتقادات مباشرة للديمقراطيين الاجتماعيين. يقول ينس غير، رئيس كتلة الحزب الديمقراطي الاجتماعي في البرلمان الأوروبي: «أتوقع أن يكشف التحقيق معطيات إضافية».

لم يتّضح بعد السبب الذي جعل نائبة رئيسة البرلمان تتلقى رشوة ضخمة. تبقى هذه السياسية اليونانية البالغة من العمر 44 عاماً بعيدة عن مراكز السلطة الحقيقية في بروكسل. بناءً على المعلومات المتاحة، لا تستطيع هذه المرأة أن تؤثر على القرارات التي تبرر تلقي هذه المبالغ الضخمة، لذا من المستبعد أن تقوم بهذا النوع من الأعمال وحدها.

لكن من الواضح أيضاً أن كايلي تدافع عن قطر بكل قوتها. خلال نقاش في البرلمان منذ أربعة أسابيع، تكلمت عن كأس العالم في قطر واعتبرت تلك البطولة «دليلاً على فاعلية الدبلوماسية الرياضية لإحداث تحوّل تاريخي في بلدٍ شَهِد إصلاحات ألهمت العالم العربي». لكنها انتقدت في المقابل أعضاء البرلمان الذين «اتهموا كل من يتحاور أو يتواصل مع القطريين بالفساد». في تلك الفترة، اعتبر عدد كبير من أعضاء البرلمان الكلمات التي اختارتها كايلي غريبة بعض الشيء. لكنها تحمل بُعداً مختلفاً بالكامل اليوم.

بعد فترة قصيرة، أثارت حادثة أخرى دهشة الكثيرين وكانت تتعلق بالسماح للمواطنين من قطر، والكويت، وسلطنة عمان، والإكوادور، بالسفر إلى أوروبا بلا تأشيرة. في منتصف تشرين الثاني، نُفّذت سبع عمليات إعدام في الكويت حين كان نائب رئيس المفوضية الأوروبية والمسؤول عن «نشر أسلوب الحياة الأوروبي»، مارغريتيس شيناس، يزور البلد. شكّلت تلك الحادثة إهانة واضحة له، وقد دفعت مجموعة من البرلمانيين المُكلّفين بالإشراف على ملف التأشيرات إلى مناقشة خيار يقضي بجعل تعليق حُكم الإعدام شرطاً لسفر الناس من البلدان الأربعة إلى الاتحاد الأوروبي بلا تأشيرة.

تدخّلت كايلي حينها، مع أنها لم تكن جزءاً من فريق التفاوض. يقول رئيس الفريق، إريك ماركوارت من حزب الخضر، إن كايلي أرادت إعفاء قطر من هذه القاعدة. وعندما عجزت عن تحقيق رغبتها، اقترحت سحب الكويت من المفاوضات ومتابعة الإجراءات مع الدول الأخرى. برأي ماركوارت، أرادت كايلي بكل وضوح منح قطر الحق بالسفر بلا تأشيرة في أسرع وقت ممكن.

كايلي هي إعلامية سابقة، وقد اعتُبِرت مواقفها غير مناسبة داخل كتلتها البرلمانية. هي صوّتت إلى جانب المحافظين في مسائل مهمة مثل انتخاب أمين عام جديد للبرلمان. في الوقت نفسه، تباطأت مسيرتها السياسية في اليونان.





نائبة رئيس البرلمان الأوروبي السابق إيفا كايلي مع وزير العمل القطري سميح المري | قطر


مخاوف وقضايا أخرى

بدأت المخاوف تتصاعد في البرلمان الأوروبي من توسّع نطاق هذه القضية في المرحلة المقبلة. تبيّن منذ ذلك الحين أن المغرب حاولت شراء القرارات في البرلمان الأوروبي وفق بعض التقارير. تكشف ملفات التحقيق أن بيير أنطونيو بانزيري كان جزءاً محورياً من تلك الصفقات. بانزيري هو عضو سابق في البرلمان الأوروبي، وهو رهن الاعتقال بانتظار محاكمته.

تزعم وثائق حصلت عليها صحيفة «دير شبيغل» أن زوجته وابنته تلقّتا «هدايا» من عبد الرحيم أطمون، سفير المغرب لدى بولندا. لكن لم يعرف أحد أن المحققين تنصتوا على أحاديثهم، حين كانوا يتكلمون مثلاً عن بطاقة ائتمان حصلتا عليها من «العملاق». دار جدل أيضاً حول عطلة قصيرة في عيد الميلاد بلغت قيمتها مئة ألف يورو.

لم يُجِب بانزيري وأطمون على أي أسئلة. وفق التقارير الإعلامية، قال محامي زوجة بانزيري وابنته، أنجيلو دي ريزو، إن موكّلتَيه لم تعرفا شيئاً عن الحوادث المزعومة ولا علاقة لهما بالقضية.

شملت الجماعة المرتبطة ببانزيري أسماءً مثل لوكا فيسينتيني، أمين عام الاتحاد الدولي لنقابات العمال، وهو مُعتقَل مؤقتاً. تكلم هذا الأخير أيضاً بطريقة إيجابية عن قطر. حين كان فيسينتيني أمين عام الاتحاد الأوروبي لنقابات العمال، لفت الأنظار في المقام الأول بسبب تعامله غير المألوف مع الأموال.

لتمويل حملته التي سبقت وصوله إلى منصبه في الاتحاد الدولي لنقابات العمال، وافق على دفع نفقات السفر والفنادق خلال رحلاته الانتخابية إلى الخارج بنفسه. كان يُفترض أن يُقرضه الاتحاد الأوروبي لنقابات العمال المال بكل بساطة. وعندما أعاد فيسينتيني تسديد نفقات بقيمة 13 ألف يورو تقريباً منذ بضعة أسابيع، تفاجأ زملاؤه حين علموا أنه سدّد المبلغ نقداً، على دفعتَين، ووضع العملات الورقية في مغلّفَين. يقول مسؤول مطّلع على القضية إن ما حصل كان مثيراً للذهول.

تجدر الإشارة إلى أن بلجيكا لا تسمح بدفع أكثر من 3 آلاف يورو نقداً. كلّف الاتحاد الأوروبي لنقابات العمال الآن خبراء مكافحة الفساد بتوضيح ما حصل. تقول الأمينة العامة بالإنابة، إستير لينش، إن هذه الجهود تهدف إلى «تقديم أي معلومات مفيدة إلى السلطات البلجيكية».

كذلك، تُخطط النقابات الدولية للتطرق إلى هذه القضية خلال اجتماع في الأسبوع المقبل. وحتى لو كان جزء من النقابات، بما في ذلك النقابة الألمانية، تدعو إلى تحرك سريع، لا أحد يعرف بعد إذا كان فيسينتيني سيضطر لترك منصبه. طالما لم تتضح الادعاءات المتداولة بطريقة مُرضِية، «لا بديل عن تعليق عمله»، كما تذكر رسالة من قادة الاتحاد الألماني لنقابات العمال إلى الاتحاد الدولي.

يحاول البرلمان الأوروبي إنقاذ سمعته بطريقة هوسية الآن. يوم الخميس، مرر النواب قراراً يدين التأثير القطري، ويفرض تدابير أكثر صرامة لمكافحة الفساد، ويدعو إلى تشكيل لجنة تحقيق.

إذا تأكد تورط قطر في القضية، قد يتضرر البلد بشدة. هذا الوضع قد يُهدد مثلاً اتفاقية الحركة الجوية مع الاتحاد الأوروبي، علماً أنها صفقة مربحة جداً لقطر. يقول إسماعيل إيرتوغ، منسّق سياسة النقل في كتلة الديمقراطيين الاجتماعيين، إنه لم يجد أي أدلة على شراء الأصوات في هذا الملف. لكن لا يمكن التأكيد على استعداد أعضاء البرلمان الأوروبي للموافقة على هذه الصفقة، حتى لو وقّع الأعضاء السبعة والعشرون على الاتفاق. حتى الآن، يقتصر عدد الموقعين على ستة أعضاء.



هانا نيومان

لوكا فيسينتيني

بيير أنطونيو بانزيري

مارغريتيس شيناس





اتفاق الحركة الجوية على المحك

يعتبر إيرتوغ الموافقة على الاتفاق غير ممكن سياسياً في الوقت الراهن. عبّر يان كريستوف أويتجين، منسّق سياسة النقل في الحزب الديمقراطي الحر داخل البرلمان الأوروبي، عن رأي مشابه فقال: «إذا تأكدت الادعاءات الموجهة ضد قطر، لا يمكن أن يبقى الاتفاق على حاله».

في غضون ذلك، تأخر القرار المرتبط برفع متطلبات التأشيرة أيضاً. تقول رئيسة البرلمان ميتسولا إن هذه المسألة «من اختصاص اللجنة». حتى أن الاتفاق حول التأشيرات قد ينهار هناك. يقول السياسي إريك ماركوارت من حزب الخضر: «إذا تأكدت التُهَم الموجهة لقطر، سنكون أمام هجوم كبير على ديمقراطيتنا، ويُفترض أن يترافق ما حصل مع عواقب كبرى. في هذه الحالة، لا يمكن إقرار أي إعفاء من تأشيرات الدخول».

على صعيد آخر، قد تتأثر العلاقات الاقتصادية بين الاتحاد الأوروبي وقطر. برأي بيرند لانج، رئيس لجنة التجارة الخارجية في البرلمان الأوروبي، «ستخضع جميع النشاطات لأعلى درجات التدقيق الآن وسيتم تقييمها من باب الضرورة بدل خدمة مصالح الشركاء الآخرين». لكن يشك لانج في أن يكون تشديد القواعد وحده كافياً لمنع هذا النوع من فضائح الفساد مستقبلاً. وراء هذه القضية، تكمن طاقة إجرامية برأيه.

في مطلق الأحوال، تبقى محاولات فرض النفوذ أكثر سلاسة من تسليم أكياس ورقية مليئة بالأموال النقدية. يقال إن هانا نيومان، نائبة في البرلمان الأوروبي عن حزب الخضر ورئيسة وفد البرلمان إلى شبه الجزيرة العربية، تلقّت عرضاً لحضور كأس العالم، مع تذكرة للشخصيات المهمة، لكنها رفضت العرض بكل تهذيب.

«دبلوماسية الكافيار»


تلجأ حكومات استبدادية إلى هذا النوع من المقاربات أيضاً. منذ بضع سنوات مثلاً، حاول النظام الأذربيجاني إقناع أعضاء في البوندستاغ الألماني وبرلمانات أوروبية أخرى بتلميع صورة البلد عبر رحلات فاخرة أو مناصب مرموقة: بدأ هذا الشكل من النفوذ يُعرَف باسم «دبلوماسية الكافيار».

تستفيد قطر بدورها من دعم مسؤولين رفيعي المستوى في برلين. بيتر رامساور هو عضو في البوندستاغ عن حزب «الاتحاد الاجتماعي المسيحي» المحافِظ، وقد استلم أيضاً رئاسة غرفة التجارة العربية الألمانية التي تخدم مصالح قطر التجارية. وفق موقع البوندستاغ الإلكتروني، تلقى هذا الأخير بين 42 و84 ألف يورو سنوياً مقابل هذا المنصب خلال الفترة التشريعية الأخيرة. في شهر آب، اعتبر رامساور الدعوة إلى مقاطعة كأس العالم في قطر «مناورة منافِقة». هو لا يرى أي تضارب مصالح في هــذه القضية لأنه يفصــل بين هاتين المسألتين بشكلٍ قاطع.

في مطلق الأحوال، لا تبدي برلين ولا بروكسل أي اهتمام بتأجيج التوتر في العلاقات الثنائية، وهو هدف صعب أصلاً بعد الانتقادات الغربية لكأس العالم.

يدعو رئيس لجنة الشؤون الأوروبية في البوندستاغ، أنطون هوفريتر، الحكومة الألمانية إلى ضبط النفس، لكنه يضيف قائلاً: «يجب ألا يتأثر من تلقى الرشاوى وحده بعواقب فضيحة الفساد الأخيرة، بل يُفترض أن يتأثر أيضاً من يعرض الرشوة ويحاول الإساءة إلى ديمقراطيتنا».




أوراق نقدية مضبوطة خلال التحقيق | بروكسل


مسألتان منفصلتان

يوم الثلثاء في بروكسل، أوضح وزير الاقتصاد الألماني، روبرت هابيك، وهو عضو آخر في حزب الخضر مثل هوفريتر، أن فضيحة الفساد لم تؤثر على إمدادات الغاز التي تفاوضت ألمانيا بشأنها حديثاً مع الدوحة. هو يعتبر هاتين المسألتَين مختلفتَين. كذلك، حاول القادة الأوروبيون اعتبار المشكلة خاصة بالبرلمان الأوروبي يوم الخميس. وحده رئيس الوزراء الأيرلندي، مايكل مارتن، دعا إلى تشكيل هيئة تابعة للاتحاد الأوروبي لمراقبة المؤسسات الأوروبية، بما في ذلك البرلمان.

في غضون ذلك، تتمسك المفوضية الأوروبية بخطتها لتعيين ممثل خاص عن دول الخليج هذه السنة بهدف تعميق الشراكة مع قطر وبلدان أخرى في المنطقة. يقول مسؤول رفيع المستوى في بروكسل: «ما من رابط بين تلك التعيينات والأحداث المحيطة بالبرلمان». يبدو أن النضال من أجل الحرية في الغرب ليس قوياً في كل مكان بقدر ما أوحت به ميتسولا.