لارا سيتراكيان

على الغرب أن يتحرّك لمنع الحرب في ناغورنو كاراباخ

5 كانون الثاني 2023

المصدر: Foreign Policy

02 : 00

يقيم سكان من أصل أرمني في ناغورنو كاراباخ، وهم يناضلون لنيل استقلالهم منذ الثمانينات، حين كانت أذربيجان وأرمينيا جزءاً من الاتحاد السوفياتي. منذ العام 1991، بنى هؤلاء الأرمن جمهورية أرتساخ ذات الحُكم الذاتي، وهي تشمل حكومة مُنتخَبة ومجموعة من المؤسسات العامة. لكن تُعتبر ناغورنو كاراباخ رسمياً جزءاً من أذربيجان حيث تسعى الحكومة منذ ثلاثين سنة إلى فرض سيطرتها الفدرالية مجدداً على المنطقة وسكانها.


في العام 2020، بدأ الوضع يصبّ في مصلحة أذربيجان. سمحت الحرب التي امتدت على 44 يوماً بترسيخ سيطرة أذربيجان على معظم مساحات المنطقة المتنازع عليها. لكن يحكم الأرمن جزءاً منها ويقيمون فيها حتى الآن. انتشرت قوات حفظ السلام الروسية لحماية المناطق التي يسيطر عليها الأرمن وضمان حرية المرور عبر ممر لاتشين (إنه الطريق الذي يقفله المحتجون الأذريون اليوم).



منذ شهر شباط، أدّت الحرب في أوكرانيا إلى إضعاف روسيا وتخفيض قدراتها. ونظراً إلى غياب حَكَم قوي للبتّ في هذه المسألة، بدأت باكو تحلّ مشاكلها بالقوة، مع أن تلك المشاكل نفسها لا تزال مطروحة على طاولة المفاوضات.



انطلق مسارا سلام موازيان (الأول بتسهيل من الاتحاد الأوروبي، والثاني باستضافة موسكو)، وهما يهدفان إلى منع تصعيد الوضع وحلّ المسائل الخلافية، بما في ذلك تحديد وضع ناغورنو كاراباخ. لكن سمحت قوة أذربيجان العسكرية المتفوّقة ومواردها الطبيعية برسم مسار التطوّرات ميدانياً. في 12 أيلول، أطلق البلد هجوماً قوياً ضد الأراضي الأرمنية، بعد أسبوعين على محادثات السلام التي جمعت بين رئيس أذربيجان إلهام علييف ورئيس الوزراء الأرمني نيكول باشينيان في بروكسل.



يقول إلدار محمدوف، محلل للسياسة الخارجية في بروكسل: "السلام الذي تتصوّره باكو هو سلام قائم على شروطها الخاصة. يحاول علييف فرض الضغوط على الجانب الأرمني لإعادة دمج منطقة كاراباخ مع أذربيجان".



يعتبر الأرمن في كاراباخ الاندماج الكامل مع أذربيجان من دون تلقي أي ضمانات أمنية مقدّمة للتطهير العرقي عبر استعمال العنف المباشر ضدهم أو الضغط عليهم كي يغادروا منازلهم. تعهّدت أذربيجان التعامل مع الأرمن في ناغورنو كاراباخ باعتبارهم مساوين لمواطنيها، لكنه موقف غير مُطمْئِن نظراً إلى سجل باكو السيئ في مجال حقوق الإنسان. كذلك، تأجّجت مخاوف الأرمن بعد سلسلة من الحوادث المشينة على يد جنود أذريين، بما في ذلك إعدام أسرى حرب أرمن، وممارسة العنف الجنسي ضد الجنديات، وتشويه مدنيين أرمن وقطع رؤوسهم.



يقول زور شريف من مجموعة الأزمات الدولية: "مصير الأرمن في كاراباخ مسألة محورية لإنهاء الأعمال العدائية بين البلدين. لكن لم يُحدد أي طرف أفضل طريقة لحل الأزمة".

في وقتٍ سابق من هذه السنة، أصبح التراث الثقافي الأرمني في كاراباخ مستهدفاً من لجنة حكومية في باكو بهدف محوه، وتعكس هذه الحملة التدمير الجماعي الذي يستهدف الآثار الثقافية في جمهورية ناختشفان الأذرية. هذه الأحداث كلّها أضعفت الثقة بحصول الأرمن على مكان آمن داخل المجتمع الأذري.



وسط هذا المناخ السام، لم تعد مخاطر التصعيد واضحة فحسب، بل إنها تحولت إلى تكتيكات صريحة لممارسة الضغوط. هدّدت أذربيجان بشنّ حرب واسعة جديدة إذا لم تحصل على مطالبها في ناغورنو كاراباخ. توسّعت تلك المطالب منذ حرب العام 2020 تزامناً مع زيادة نفوذ أذربيجان، وهي تتمحور في المقام الأول حول دمج كاراباخ بالكامل من دون منح الأرمن صفة الحماية.



أكثر ما يثير الجدل هو إقدام علييف على التهديد بالاستيلاء على مساحة من الأراضي في وسط أرمينيا بالقوة لاستعمالها كممر خارجي يربط بين أذربيجان وناختشفان ويصل إلى تركيا. من المتوقع أن تدير روسيا الجزء الأرمني، فتحصل موسكو بذلك على معقل دائم في أنحاء الأراضي الأرمنية وتزيد احتمال وقوع حوادث أمنية مزمنة في الوقت نفسه. حتى أنها قد تعزل العاصمة الأرمنية، يريفان، عن المناطق الأرمنية الجنوبية، فتنشر الفوضى اقتصادياً وإدارياً وإنسانياً.



انهارت ظروف الاستقرار في جنوب القوقاز وستتابع الانهيار إذا أصبحت المنطقة متروكة. يجب أن تعيد القوى المعنية صياغة الديناميات الناشطة بطريقة تضمن إرساء السلام والازدهار لجميع الفئات، من دون أن يستغل أي بلد جيرانه. قد ترتكز رؤية روسيا في المنطقة على استمرار الصراع بين أرمينيا وأذربيجان لتبرير وجود قوات حفظ السلام ومنحها مكانة دائمة في التقاطع القائم بين أرمينيا وإيران وأذربيجان. لكن بعيداً عن هذه الميزة الاستراتيجية التي تصبّ في مصلحة موسكو، ينعكس الصراع المستمر بين أرمينيا وأذربيجان على جميع الأطراف تقريباً، فهو يشجّع على شنّ تحركات عدائية من أقوى الأطراف، ما يؤدي إلى تكبّد خسائر بشرية في المعسكرَين وإضعاف تأثير الغرب وفرص تفاوضه على تسوية دائمة.



إنه الوقت المناسب كي يستغل الغرب مخزونه الكبير من الرساميل غير المستعملة، عبر القوة الناعمة والصلبة في آن، لإعادة أرمينيا وأذربيجان إلى طاولة المفاوضات. يقول محمدوف: "قد تمنع اعتبارات معيّنة علييف من شن حرب شاملة، لكن لا يمكن التأكيد على شيء حتى الآن. لن تندلع الحرب إذا وجّه المجتمع الغربي والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي رسالة واضحة مفادها بأن أذربيجان ستدفع ثمناً دبلوماسياً واقتصادياً".



يقول كمال مكيلي علييف (لا علاقة له بالرئيس علييف بل إنه أستاذ مساعد في جامعة غوتنبرغ طرح كتاباً لتحليل الصراع بين أرمينيا وأذربيجان): "يجب أن نتكل على وسيط يستطيع إجبار الدولة أو تشجيعها على اتخاذ خطوة نحو الأمام. لا يمكن إحراز التقدم بأي طريقة أخرى. من دون وجود وسيط توجيهي قوي، سينشأ صراع غير محدود في القوقاز".



يتمتع الغرب بالبراعة اللازمة لكبح الانزلاق الخطير نحو الصراع. سهّل الاتحاد الأوروبي محادثات السلام الأخيرة، لكنّ الولايات المتحدة هي التي تُحدّد ثقل الدور الغربي. برأي مايكل روبين من "معهد أميركان إنتربرايز"، يجب أن تضطلع واشنطن بدور "المُشرِف" الذي يضمن استمرار الجهود الدبلوماسية، ما يعني تأمين الأدوات التي تشمل تعليق المساعدات العسكرية الأميركية إلى باكو. قدّمت الولايات المتحدة دعماً أمنياً بقيمة 164 مليون دولار إلى أذربيجان بين العامين 2002 و2020، من دون الإشراف بدرجة كافية على شروط أساسية مثل التأكد من عدم استعمال أذربيجان تلك الأموال لمهاجمة أرمينيا.



على صعيد آخر، يجب أن تفكر واشنطن بفرض عقوبات اقتصادية متنوعة على البلد، إلى أن تختار باكو الدبلوماسية بدل فرض النتائج التي تريدها بالقوة. يوضح روبين: "يمكن فرض "عقوبات ماغنيتسكي الدولية" على القادة العسكريين في أذربيجان، أو على علييف شخصياً وأفراد عائلته". أعاد الرئيس الأميركي جو بايدن إقرار" قانون ماغنيتسكي الدولي للمساءلة حول حقوق الإنسان" في شهر نيسان الماضي، وهو يسمح للولايات المتحدة باستهداف الأفراد المتورطين بانتهاك حقوق الإنسان، وتجميد أصولهم في الولايات المتحدة، وتصعيب حصولهم على التأشيرة الأميركية، وإعاقة صفقاتهم في قطاع الأعمال.


قد تصبح سويسرا أكثر تأثيراً لضمان تنفيذ اتفاقيات جنيف التي تتعرض لانتهاك مستمر على أرض الواقع. يستطيع الاتحاد الأوروبي أن يفرض عقوبات مستهدفة، بما يتماشى مع التزامه بحقوق الإنسان. من خلال الجمع بين المساءلة والحوافز، يستطيع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة أن يعرضا تحسين العلاقات التجارية بعد حلّ المسائل العالقة بين أرمينيا وأذربيجان. قد تصبح باكو شريكة أكثر مسؤولية وفاعلية لحلفائها إذا نجحت في كبح التحركات العدائية.



لعقد اتفاق سلام شامل في جنوب القوقاز، يجب أن تستعمل القوى المسؤولة المكافآت والعقوبات لوضع الدول على مسار السلام. كذلك، يمكن تشجيع أرمينيا على اتخاذ تدابير تؤجّلها منذ فترة طويلة، منها إطلاق مسار العدالة الانتقالية التي تحاسب مرتكبي الانتهاكات والتجاوزات من الطرفَين على مر الصراع القائم منذ أكثر من 30 سنة. تتطلب هذه العملية استثماراً دبلوماسياً كبيراً، لكن سبق وأثبتت هذه المقاربة نجاحها في الصراعات الطويلة بين الدول. سيعطي هذا الاستثمار ثماره عبر تجديد الأمن، وتجنب المخاطر الكبرى، وإعطاء أهمية دائمة لهذه المنطقة. في النهاية، يقول مكيلي علييف: "هذا المسار يفيد جميع الأطراف المعنية".