تعيش الجزيرة ذات التضاريس الجبليّة التي تُسهّل جغرافيّتها عمليّة تنظيم سياسة دفاعيّة محكمة، منذ نهاية الحرب الأهلية الصينية في العام 1949، تحت تهديد من غزو صيني تحت شعار «إعادة التوحيد» التي يُكرّرها قادة الحزب الشيوعي الحاكم في بكين على لسانهم عند كلّ ذكرى واستحقاق. لكنّ هذا التهديد بلغ مستويات خطرة في الآونة الأخيرة، واحتمال حصول اجتياح صيني لتايوان بات قائماً بقوّة اليوم أكثر من أي وقت مضى. ولهذا السبب تُحضّر تايبيه العدّة للتصدّي لأي مغامرة عسكريّة قد يأمر بإطلاقها الرئيس الصيني شي جينبينغ.
لقد زادت الصين من مناوراتها الجوّية والبحريّة حول الجزيرة التي تضمّ نحو 24 مليون نسمة، وهو ليس بالعدد القليل، بهدف جسّ نبض القيادة في تايبيه ودراسة مدى فعاليّة وسرعة استجابة الجيش التايواني لأي طارئ عسكري. فعلى سبيل المثال، نشرت بكين 71 طائرة حربية خلال المناورات العسكرية التي أجرتها في نهاية العام الماضي حول تايوان، اخترقت 47 منها منطقة تحديد الدفاع الجوي للجزيرة.
هذه الأجواء الحربيّة الصينية التي تكثّفت، خصوصاً بعد زيارة رئيسة مجلس النواب الأميركي آنذاك نانسي بيلوسي إلى تايبيه في أوائل آب من العام الماضي، فرضت على تايوان التشدّد في مقاربتها الدفاعيّة لتحضير الجزيرة لأي حرب مستقبليّة مع «جيش التحرير الشعبي» الصيني في ظلّ وضع جيوسياسي يتغيّر باستمرار وبسرعة. فلقد مدّدت الرئيسة تساي إينغ وين الخدمة العسكرية الإلزامية من أربعة أشهر إلى عام واحد اعتباراً من 2024، وهذا الإجراء سيُطبّق على جميع الرجال المولودين بعد الأوّل من كانون الثاني 2005.
وتنطلق القيادة في تايبيه من مبدأ أن من يسعى إلى السلام عليه أن يتهيّأ للحرب، خصوصاً مع المخاطر المتزايدة التي يحملها الاضطراب الحاصل في النظام الدولي. ولقد لعبت الحرب التي شنّتها روسيا ضدّ أوكرانيا دوراً أساسيّاً في إعادة صياغة الاستراتيجيّات العسكريّة لكلّ من الصين وتايوان على حدّ سواء. فالصين تُراقب الحرب بدقّة لاستخلاص العبر منها والتعلّم من الأخطاء الاستراتيجية والتكتيكية للجيش الروسي لبناء خطط هجومية أكثر كفاءة ونجاعة، وتحسين المستوى التدريبي لعناصر جيشها، وتحديداً ضباط الصف الذين يلعبون دوراً محوريّاً في المعارك.
في المقابل، كوّنت تايبيه رؤية متكاملة لكيفيّة إدارة مقاومة عسكريّة صلبة وناجحة في وجه قوّة مهاجمة أكبر حجماً بكثير. بما لا شكّ فيه أن الدعم الغربي، لا سيّما الأميركي، الذي حظيت به كييف، لعب دوراً جوهريّاً في تحديد مسار الحرب، لكنّ تبقى المهام الأساسيّة موكلة للكتائب المُدافعة في الميدان وقدرتها على استيعاب «صدمة» الغزو وتنظيم مقاومة تُثبت أن البلاد ليست لقمة سائغة في وجه المحتلّ. وكما أثبتت أوكرانيا أنّها ليست كذلك في وجه «الدب الروسي»، تسعى تايوان بدورها لتهيئة الأجواء الملائمة لتتمكّن مستقبلاً من الاثبات للعالم أجمع أنّها لن تكون لقمة سائغة في فم «التنين الصيني».
والمعضلة التي تنتظر تايوان في أي محاولة صينيّة للاستيلاء عليها، تكمن في مدى قدرتها على صدّ «الموجة الأولى» للغزو المرتقب وكم ستُلحق من خسائر ماديّة وبشريّة في صفوف القوات الصينية المهاجمة. فالمسألة متوقفة أوّلاً عند هذه «المواجهة الأولى»، فإن استطاعت اثبات وجودها العسكري على الأرض ومقاومة الهجوم في بداياته بفعاليّة عالية، سيتدفّق الدعم الغربي إليها بكثافة من باب السعي إلى احتواء تمدّد «التنين الصيني» في البحار والمحيطات، وانهاك «جيش التحرير الشعبي» في حرب استنزاف طويلة الأمد.
والدعم العسكري الأميركي لتايوان واكب المخاطر الجيوستراتيجية والعسكرية المتزايدة في المنطقة، حيث كبر حجمه بشكل لافت أخيراً مع توقيع الرئيس الأميركي جو بايدن قانون موازنة الدفاع لعام 2023 نهاية العام الماضي والذي نصّ على مساعدة عسكرية بقيمة 10 مليارات دولار لتايبيه، تتضمّن أسلحة وأنظمة مضادة للصواريخ والدبّابات والقطع البحريّة والمسيّرات... وغيرها من العتاد الحربي الدفاعي الذي يُسهّل مهام الجيش التايواني في الدفاع عن الجزيرة من أي محاولة «شيوعيّة» لقضمها.
إستعراض القوّة الأميركي المتتالي في مضيق تايوان بقدر ما له من تأثير معنوي، إلّا أنّه لن يمنع الصين من تحديد «ساعة الصفر» لإطلاق «حرب التوحيد» المنتظرة للقيادة الشيوعية منذ عقود. وعندما تدق «ساعة الحقيقة»، على تايوان أن تكون قد استعدّت فعليّاً لمواجهة أحد أخطر الحروب المتوقعة في القرن الحالي والتي ستؤثّر تداعياتها بعمق على المعمورة برمّتها وسترسم نتائجها ملامح النظام الدولي الجديد. لقد استثمرت بكين كثيراً في جيشها لتنمية قدراته القتالية الهجومية، غير أنّ وحداتها العسكرية لم تُختبر بعد في الميدان. والمناورات بالذخيرة الحيّة تختلف تماماً عن الحرب الحقيقيّة. وعند امتحان «الحديد والنار» تُروى قصص أبطال وتُحكى روايات مأسويّة وتُحدّد مصائر شعوب وتُكتب صفحات التاريخ التي تُهندس مستقبل الأجيال القادمة.