العناصر الدرامية في حياة ميشال سورا (Michel Seurat)، الإنسان والباحث، عديدة وغنية ومعقّدة. فعالم الاجتماع هذا، الذي قُتل قبل أن يُكمل عقده الرابع أمضى نحو نصف عمره في البلدان العربية. بل إن أصابع الاتهام وُجّهت إلى النظام السوري الذي يرفع راية العروبة، وإلى منظمة "الجهاد الإسلامي" التي اختطفته وكان يُقال إنها "حزب الله" وهو ينفي ذلك، فيما كان سورا مناصراً لقضايا العرب.
فسورا ولد سنة 1947 في تونس. وهناك نشأ، وتفتّح وعيه تحت صدمة قصف مقاتلات بلاده بلدة بنزرت في سياق معركة تونس للاستقلال عن الاستعمار الفرنسي. وإذ عاد إثر ذلك مع أسرته إلى بلاده "كانت ذكرى ذلك الحدث تثير لديه صورة مرآة كُسرت فجأة، مرآة سيحاول لاحقاً جمع شظاياها في الشرق. أكمل ميشال دراسته في مدينة ليون، لكنه لم ينجح أبداً في الارتباط حقيقة بفرنسا الأم، وظل يحتفظ بحنين لمكان تذوب فيه الثقافة العربية مع الثقافة الفرنسية"، كما كتب جيل كيبل وأوليفييه مونغان في مقدمة الكتاب الذي ضم عدداً من دراسات سورا وأبحاثه تحت عنوان "الدولة المتوحّشة" (1988).

وعلى إيقاع أحداث 1968 في بلاده وصخبها الفكري والثوري، اقترب سورا من القضية الفلسطينية. ويروي كيبل ومونغان: "سافر في 1971 إلى بيروت ليستعرب، يوم كانت العاصمة الثقافية للعالم العربي بقدر ما كانت مدينة عالمية يمكن للمرء أن يتنفّس فيها حريّةً لا تعرفها حاضرات الشرق الأخرى. وجال في صيف تلك السنة في المخيّمات الفلسطينية في المنطقة بصحبة شبان أوروبيين آخرين كانوا يرون في القضية الفلسطينية تجسيداً للأفكار الثورية التي لم تكن لتتجاوز حدود النظرية في الحي اللاتيني في باريس، فكان ذلك الاحتكاك الأول له مع الميدان في الشرق الأوسط، وسيبقى طويلاً متأثّراً بذلك اللقاء. وتابع دراسته من سنة 1972 حتى 1974 في دمشق، حيث ترجم في إطار رسالة الماجستير قصص غسان كنفاني، ثم أصبح سنة 1974 أستاذ التاريخ المعاصر في كليّة الآداب في بيروت، وكان يدرِّس في الوقت نفسه اللغة الفرنسية في المخيمات كالتزام نضالي منه".
ثم عاد، في 1975، إلى دمشق باحثاً في المعهد الفرنسي للدراســات العربية. وليس غريباً أن يُعدّ إطروحة الدكتوراه عن ساطع الحصري، أحد مؤسّسي القومية العربية التي يقول نظام الأسد إنه يسترشد بها. وكأن في ذلك أحد خيوط الدراما التي عاشها سورا.
بعد تجربة الإقامة السورية التي خبر فيها "ذاك الخليط بين الاشتراكية الواقعية والاستبداد الشرقي"، انضم في 1978 إلى فريق عمل مركز الدراسات والأبحاث عن الشرق الأوسط في بيروت. وعلى رغم الأحداث والتوترات الأمنية، آثر البقاء في العاصمة اللبنانية حتى أثناء الحصار الإسرائيلي لها واحتلالها في صيف 1982. وقد أثّرت تلك الظروف سلباً في مسار إنتاجه البحثي، إذ كان يمنح كثيراً من الوقت والجهد لتدبير أمور المعيشة ولكل طالب معرفة من الباحثين والإعلاميين يقصده للسؤال عن البلاد التي يعرفها ويحبّها.
لهذا، يُروى أنه فوجئ بأن يُخطف. ويروي كيبل، في مقدمة الطبعة العربية لـ"سوريا الدولة المتوحّشة"، أن سورا شعر في البداية بـ"التعاطف مع خاطفيه، ظنّاً منه أنهم من أصحاب الأفكار التقدّمية وأنهم اختطفوه بطريق الخطأ".
لكن ذلك لم يكن صحيحاً أو واقعيّاً. فسورا، عالم الاجتماع الذي قرن البحث النظري بالدراسة الميدانية، وجمع بين منهجيتي كارل ماركس وابن خلدون، كان قد تجاوز الخطوط الحمر في تشريحه سلطة حافظ الأسد ونمط هيمنتها. ولعلّه أدرك ذلك وما يسبّبه من مخاطر على حياته، فنشر دراساته وأبحاثه عن "سوريا الدولة المتوحّشة"، في الأشهر التي سبقت خطفه، في مجلة "إسبري" (Esprit)، موقّعة باسم جيرار ميشو.
ولعل أخطر ما قام به سورا هو تدشينه قراءة نظام الأسد طائفياً، مستنداً إلى مفهوم العصبية عند ابن خلدون. فسورا اعتبر أن الأسد في مسيرته إلى الحكم وبسط سلطته وإمساكه بحزب البعث ومواجهته المعارضة "المدنية - السنية"، استخدم العصب العلوي الريفي. وإذ طبّق سورا المفهوم الخلدوني بشأن العصبية، المرتبط بالدعوة (الأيديولوجيا وفق لغة اليوم) وبالمُلك (السلطة وفق لغة اليوم أيضاً)، نزع عن الأسد وسلطته الصدقية تجاه عقيدة حزب البعث وشعاراته: وحدة، حريّة واشتراكية، إضافة إلى العلمانية والتقدّمية. ومن خلال تلك العدة الخلدونية، نظر سورا إلى الطوائف وعلاقة الريف بالمدينة، وإلى الطبقات وأثر نظام الأسد في علاقاتها وأدوارها وتوجّهاتها، وإلى أجهزة الاستخبارات ووظائفها والجيش وموقعه وأحواله، وإلى العنف وأشكاله ومهمّاته ورسائله... وخلص إلى تشخيص النظام في سوريا بـ"الدولة المتوحّشة". وقد تغذى ذلك الرأي بانحياز سورا إلى "القرار الفلسطيني المستقل"، الذي اعتبر أن الأسد وسلطته، وهما يمثّلان "التقدمية العربية" "الاستبدادية"، معاديان له. كذلك لم ينفصل رأي سورا في الأسد وسلطته عن نظرته إلى المدينية في المشرق العربي. لهذا، خصّ مدينة طرابلس بدراسة حالة لتحرّي سياسة الأسد وسلطته تجاهها وآثار ذلك في السياسة والاجتماع. وهذا ما يحاول تغطيته كتاب "سوريا الدولة المتوحّشة"، الذي نشرت "الشبكة العربية للأبحاث والنشر" ترجمته إلى العربية (أمل سارة ومارك بيالو).
وعلى رغم أن آراء سورا المؤيدة للعرب وقضية الشعب الفلسطيني جرّت عليه "كراهية مقيتة من أنصار إسرائيل ومحبّيها"، وفق كيبل، إلا أن الجهة الخاطفة لم تتردد، في بيان إعلان وفاته، في وصفه بـ"الجاسوس". ولم يكن ذلك لتبرير الفعل وتغذية أيديولوجيّة العداء للإمبريالية فحسب، بل لنزع العلمية عن أبحاث سورا ودراساته أيضاً، إذ إن "الجاسوس" لا يكتب بموضوعية إنما بتوجيهات استخبارية وغايات تآمرية.