د. ميشال الشماعي

مُعَسَّل الاستنزاف

3 دقائق للقراءة

الجراحة التجميليّة من أكثر الأعمال الفنيّة والحرفيّة التي يمارسها الأطبّاء لكنّها غزت أهل السياسة في لبنان فاستحالوا جميعهم أطبّاء تجميل يتقنون عملهم بحرفيّة لا مثيل لها. تسمعهم يصرّحون يميناً ويساراً فتظنّ بأنّك تعيش في سويسرا أو أيّ بلد سبق المستقبل. لكن الواقع معكوس تمامًا إن نظرت إليه، فالمستقبل سبقنا هنا ونحن نركض وراءه بصعوبة ولا نعرف إن كنّا سندركه. فهل سيتمكّن اللبنانيّون الأحرار من تغيير هذه المعادلة ليصبح لبنان سويسرا الشرق من جديد؟

لا تنفع المكابرات السياسيّة عندما يتعلّق الأمر بصحّة النّاس، ولا ينفع بعد وقوع الكارثة التحسّر والنّدم، بل من الأجدى التحلّي بالشجاعة لقول الحقيقة مهما كانت صعبة والإقدام حيث لا يجرؤ الآخرون. إنّ التّصريحات الرنّانة والخطابات ذات النّفحة الشاعريّة باتت من تقاليد الماضي الذي تمّ دفنه في ساحات الحريّة منذ زمن. وبعضهم يحاول إضفاء نكهة العسل على عمليّة الاستنزاف علّه ينقل تفاؤله إلى النّاس أجمعين.

وعلى قاعدة إسمع تفرح جرّب تحزن، نستمع إلى خطابات بعضهم التي إن دلّت على شيء فعلى قصور وعجز في الفكر السياسي، وعلى قدرة إعلاميّة مخيفة. لكنّ هذه الخدع الاعلاميّة ما عادت صالحة بعدما كُسِرَ القيد وانجلى اللّيل. نتفهّم التزامات "حزب الله" السياسيّة لكن ما لا نتفهّمه إذعانه أمام أسياده على حساب صحّة شعبه. ففي نهاية المطاف هم المتضرّرون الأوائل لكنّ الخطير في هذه الحالة أنّ الضرر لن يبقى محدوداً بل سيتفشّى في لبنان كلّه.

وما زالوا يتحدّثون عن حجر صحّيٍّ طوعيٍّ في حين أن بلداناً بأكملها تمّ عزلها عن الخريطة الكونيّة. ويرفضون إغلاق الحدود أمام الدول الموبوءة حفاظًا على ولاءاتهم السياسيّة. ويفرضون أجندتهم كما دائماً حيث تابعت الطائرات الوافدة من إيران هبوطها الاعتياديّ في مطار رفيق الحريري الدولي لكأنّها آتية من رياض الأندلس العابقة بعطر شجر الآس. وهي محمّلة بالوباء، أو على الأقلّ حاملة إيّاه في هيكلها الحديدي.

ويرمون المزيد من العسل في درب الاستنزاف لا سيّما الاقتصادي وكأنّ شيئًا لم يكن، وكأنّ الدّولة بأفضل حال في ماليّتها ويدفعون قرابة الثلاثة ملايين دولار لإستشاريّين بينما الوزير السابق كميل أبو سليمان عرض خدماته مجانًا. وما الحجج التي قدّموها لرفض طلبه إلا في إطار المناكفات السياسيّة من قبل فريق أهل السلطة الذين ما اكتفوا بعد. على ما يبدو أن الاستنزاف ولو معسّلاً يبقى استنزافاً مالياً واقتصادياً وصحياً. ولن يتمكّن الفريق الواحد من إطفاء عيون اللّبنانيّين كلّهم كلّ الوقت وإن استطاعوا إطفاء عيون مناصريهم كلّ الوقت وطيلة عقود من الزّمن.

وسط دخان هذا المعسّل الذي يترك صورة الوطن كلّها ضبابيّة يبقى الأمل موجودًا في عزيمة السياسيّين الشرفاء الذين يقودون حملة تصويب المسار الدستوري لتنتظم الحياة الدستوريّة. فمن دون المؤسسات الدستوريّة لا قيام للدولة الدستوريّة التي نحلم بها. والمفروض هنا مواكبة هذا الحراك الدستوري من قبل حراك شعبي يضع الحكومة أمام مسؤوليّاتها، ويدفعها للمضي في انتخابات مبكرة لإعادة إنتاج سلطة سياسيّة جديدة تستطيع فعلاً أن تعيد مجد لبنان. هذا وإلا... ستقلب الطاولة على رؤوسهم جميعاً، وسيهدمون الهيكل على رؤوسنا. وعندها، لن ينفع البكاء وصريف الأسنان.