شربل داغر

سيروان باران: الموتى الأليفون

دقيقتان للقراءة

يرتبك زائر معرض سيروان باران، إذ يتأكد مما يراه. ما تقع عليه عيناه في "غاليري صالح بركات" ("مسرح المدينة" سابقاً)، من أعمال للفنان الكردي (العراقي) يحيل الزائر إلى مشاهد أليمة، مسبوقة، سبق أن رأى مثيلات لها فوق الشاشات، او في الكوابيس: مشاهد المنهزمين، حتى لو كانوا منتصرين، مشاهد المنكسرين في قاع انهزامهم الإنساني، قبل العسكري.

تلك الوجوه المنحنية على تعاساتها... تلك القامات المتشابهة في ملابسها القتالية، التي تدير ظهورها للمشاهد، فيما يقوى الناظر إليها على تصفح بؤسها المنير، وإن الخفي.

يرتبك الزائر، إذ يتأكد من أن الموت قد مضى، وأنه يمضي امام ناظريه بقوة ولمعان، أكثر مما تحفل به صور التلفزيونات والجرائد عن المقتلات في عراء العرب، بإدارات إقليمية.

سيروان باران لا ينسى، للعسكري المسجى في تابوته المكشوف، نياشينه ونجومه العسكرية التي علاها الصدأ والغبار: مسجّى بعينَين مثقوبتَين، فلا يرى حراك الجنود القابعِين في بزّاتهم، إذ يمضون بدورهم إلى معاناتهم المتفرقة، التي تجمعهم في خلاء الموت الرخيص لهم كلهم.سيروان باران يستجمع الموتى قبل أن يصيروا موتى، والبائسين في مهازلهم القتالية الدامية قبل أن يتجمدوا في صور، في لوحات، هي العلامة الأكيدة لصفقاتهم المجنونة.

لا أحد في اللوحات ينظر في عينَي من يراه في صالة العرض: يتهامس مع رفيقه، في جسدَين متهالكَين من فرط العنف الناشب في جسدَيهما، من دون أن يعرف المتفرج ما إذا كانا مسجونَين في نزهتهما الصباحية، أو منتصرَين بعد جلاء معركة قذرة، أو أسيرَين في انتظارِ اعتقالٍ وشيك.

لهذا العنف ألوان أليفة، ووجوه وأشكال أليفة، وله موتى أليفون، متشابهون في اختلافاتهم، في برودة مقابرهم، في فناء بيوتنا الأليف.