ريتا ابراهيم فريد

ريما نجيم: محبة الناس أوّل سبب لعودتي... ولا أؤمن بيوم المرأة

6 دقائق للقراءة
هي السبّاقة دوماً الى التميّز. حطّمت أرقاماً قياسية عدة، لم تقتصر على دخولها في كتاب "غينيس" لأطول حوار إذاعي في العام 2013، بل تعدّت الى كونها إعلامية إستثنائية، قوية، لا تشبه إلا نفسها، ولا يمكن لأحد أن يتشبّه بها. حاورت كبار الشخصيات وعمالقة الفن. هي الراقية بحضورها، بانتقاء كلمات تسكنها رائحة الصباحات الجميلة النابضة بالأمل. ريما نجيم باتت نموذجاً لنجاح تكلّل بمسيرة عشرين عاماً من الجهد والمثابرة والشغف بالمهنة. يرتفع صوتها رفضاً للظلم، ويهمس بكلّ حنوّ وإنسانية في أذن من حمّلوها همومهم وطلبوا مساعدتها، حتى باتت كلماتها وصفة طبية للشفاء من اليأس، بكل الطاقة الإيجابية التي تنثرها عبر الأثير الى جمهور كبير من محبّين عشقوا صوتها، على قدر عشقها للإذاعة. 



عدتِ الى هواء "صوت الغد" بعد غياب شهرين. ما كان سبب هذا الغياب؟


هناك أسباب عدة. أهمّها أني كنت بحاجة لإجازة طويلة، فأنهيتُ موسم الأعياد حين كنتُ على الهواء، ثمّ سافرتُ الى لندن حيث شاركتُ في إعطاء دروس في فنّ الإلقاء والتدريب الصوتي في دبي.

الى أيّ حدّ لعبت محبة الناس دوراً إيجابياً خلال الفترة التي كنتِ بعيدة فيها؟


محبة الناس واشتياقهم ووفاؤهم وسؤالهم الدائم عنّي هي السبب الأول لعودتي. لقد غمروني كما دائماً خلال مسيرتي الإعلامية بمحبّة استثنائية، ما دفعني إلى تغيير رأيي بالقول الشائع بأننا نمارس مهنة لا وفاء فيها. تجربتي خاصة في هذا المجال لدرجة أنني أحياناً "أستكتر" على نفسي كل هذا الحب. إنّها نعمة من ربّي عليّ.

الإعلام اليوم يتّجه نحو الإنهيار كما يقال. ما هو تقييمك لوضع الإعلام اللبناني؟


إذا كنت تقصدين الأزمة الاقتصادية التي نعيش فيها، يخطئ من يعتقد بأنها أزمة بدأت منذ 17تشرين الأول.الإعلام اللبناني يعاني منذ سنوات لكنه كان دوماً يقاوم في ظل دولة فاشلة لم تهتم يوماً بدعم هذا القطاع. ثم أتت الأزمة الاقتصادية لتُدهوِر الأوضاع أكثر. كلّنا نقدّم التضحيات في مكان ما محاولين الاستمرار والصمود. وفي ظلّ دولة مهترئة لا يمكن التنبؤ بالمستقبل. ويؤسفني أننا رواد الاعلام في الشرق الأوسط والسباقون دوماً في تقديم كل جديد، لكنّ الأزمة الحالية تمنعنا من المضيّ قدماً، وتدفع ببعض المؤسسات إلى الإقفال، وبالبعض الآخر إلى تقليص المصاريف. هذا والدولة غائبة عن الوعي.

على مدى سنوات وظّفتِ منبرك لخدمة الانسان والانسانية، ووقفتِ الى جانب كثيرين في مشاكلهم... لبنان اليوم هو إنسان يتألّم، كيف يمكن أن تقف ريما نجيم الى جانبه؟


أنا أقدّم برنامجاً إجتماعياً يتطرّق إلى السياسة والفنون، لكنّ الإنسان هو الأهمّ في كلّ ما يمرّ به على كل المستويات. طبعاً سخّرت منبري في فترات كثيرة لتلبية احتياجات الناس، مادياً ومعنوياً وإنسانياً. لكني أعترف بأنّ الفترة اليوم هي الأصعب في كل مسيرتي منذ عشرين عاماً. 


وباتت هناك صعوبة على الكثيرين في تقديم المعونة للآخر. لكننا كما قلت سابقاً: "نقاوم". واللبناني مهما جار عليه الزمن، لا يمكنه أن يستمع إلى قصة ما تروي مآسي عائلة أو طفل أو مريض، إلا ويكون مؤازراً في التبرّع بما يقدر عليه. لكن للأسف أصبح البلد بدون طبقة وسطى على المستوى الاجتماعي.


أنتِ من داعمي الثورة وهذا أمر معروف. لكن هل أنتِ مؤمنة بأنّ المسار الذي أخذته الثورة سيؤدّي الى نتائج إيجابية؟


متابعيني يعرفون أنني لطالما دعيتُ من خلال منبري إلى الثورة على كل الظلم والفساد الذي نعيش فيه. وكدتُ أفقد الأمل بشعبي الذي اعتاد على التذمّر فقط من دون اللجوء الى التعبير الجماعي الذي يشكّل ثورة أو انتفاضة. ليلة 17تشرين كانت نقطة التحوّل وبارقة الأمل بأننا شعب قد يسكت عن الظلم أحياناً، لكنه يعود كي ينتفض ويقول لا وهو يملأ الساحات. وأنا كنتُ من أول المشاركين تلك الليلة في جلّ الديب. الثورات في العالم تمرّ "بطلعات ونزلات". هذا لا يهمّ. ولا بدّ من التنبّه الى أنّ الثورة تواجه منظومة أمعنت في الفساد والسيطرة بوليسياً على كل مفاصل الدولة، لذلك فالثورة ليست بنزهة مع هؤلاء. وبالتالي علينا بالصمود وبالصبر وعدم التراجع.

هل يخطر في بالك إسم لزعيم معيّن، سواء كان راحلاً أم لا يزال على قيد الحياة، وترين أنّ الحل يمكن أن يكون على يده؟


كلا. ومن إنجازات الثورة أننا فقدنا كل ثقة بزعيم. ونحن أصلاً لا نريد أن نربط مستقبلنا ووطننا بأية زعامة. نريد دولة قانون وحريات وقضاء عادل، ووطناً يحترم أبناءه، ويقدّم واجباته تجاه الدولة التي تمارس دورها بحمايته وتأمين العيش اللائق له، وهذا يكفي. لا نريد زعامات تمارس البطولات الوهمية.

بعيداً من السياسة، كيف تتعايشين مع الكورونا خصوصاً أنك تسافرين بشكل مستمر، ولديك أولاد هم اليوم في عمر الشباب وبات همّهم أكبر؟


لا أبالغ بـ"السّرسبة" على نفسي ولا على أولادي. نحن نأخذ الوقاية الضرورية ونعيش. وإذا كان العالم اليوم يعيش فوبيا الكورونا، فنحن منذ عقود نعيش فوبيا النفايات والأغذية غير المطابقة للمواصفات، والفساد في كل القطاعات، وطرقات الموت التي تحصد أرواح اللبنانيين.

الكورونا ليست الهاجس الأكبر لديّ، إنما تعاطي المسؤولين مع هذه الأزمة هو ما يثير هلعي رغم التحذيرات بـ"لا داعي للهلع".

ولداك، إيلي وإيلا... هل تفكّرين بإبعادهما عن لبنان؟

للأسف نحن ندرس هذا الأمر بجدية، ويؤلمني ذلك، رغم أنّ خيار تفكّك العائلة غير ممكن، وهذا أمر محسوم ولن نسمح به أبداً. إضافة الى ذلك، أولادي ليسوا متحمّسين. فهم يؤمنون بالثورة، ونشأوا على حبّ لبنان وسيكون قاسياً عليهم أن ينسلخوا عنه وعن محيطهم. منذ يومين تقريباً طرحتُ موضوع هجرة الشباب في حلقتي، واستمعتُ بحرقة الى قصص أمّهات وآباء باتوا وحيدين وانفجرتُ بالبكاء على الهواء، إذ تخيّلتُ نفسي مكانهم. فعلاً كانت حلقة مؤثّرة وموجعة.



احتفلت المرأة بعيدها أمس، كيف يمكن لحضورها في الثورة أن يحدث فرقاً ويشارك في صناعة التغيير؟


لا أؤمن باليوم العالمي للمرأة. أعتبره أشبه بهدية لصنف ناقص. تعالوا نقيم له الحفلات ونلقي الكلمات وننشئ الجمعيات النسائية الخالية من أي مضمون قادر على أن يصنع فرقاً. إنّ المرأة شريك كامل وليست نصفاً ليحتفلوا بها. طبعاً الثورة الأنثى أرسلت رسائل في كل الاتجاهات، عربياً وعالمياً، وأكّدت على أنها في كل الميادين قوية وقادرة ومتفوّقة وليست بحاجة إلى منحة أو عطف من أحد. لكن لا بدّ من الاعتراف بأننا مهما تقدّمنا في هذا المجال، لا نزال نعيش في مجتمعات جاهلة تعيش على قوانين ذكورية متخلّفة وعُقَد من وضعها.