حسان الزين

خليل حاوي: رصاصة واحدة لا تقتـل ميتاً وانتحار شاعر يُحيي أمة

15 دقيقة للقراءة
خليل حاوي
قبل إحدى وأربعين سنة، في 6 حزيران 1982، وفيما كان الجيش الإسرائيلي يحتل لبنان متقدّماً نحو بيروت، العاصمة العربية الثانية التي احتلّها بعد القدس، وضع الشاعر خليل حاوي حدّاً لحياته برصاصة في الرأس من بندقية صيد. ومذ ذاك ما زال هذا الحدث الفاجع "الرمزي" يطرح الأسئلة عن المعاني والأسباب، وعن حاوي الإنسان والشاعر. هذا النص يروي بعض سيرة خليل حاوي، بضميره متكلّماً. وهو يستند إلى مؤلفات وكتابات عدة أهمها "مع خليل حاوي في مسيرة حياته وشعره" لإيليا حاوي، و"خليل حاوي وأنطون سعادة" لمحمود شريح، ومقدمة بقلم ميشال جحا لكتاب "العقل والإيمان" لحاوي.




حياتي قاسية منذ الولادة. قليلة هي السنوات التي كنت فيها طفلاً. كبرت سريعاً. حَفرتْ مهنةُ والدي، العمَار، أثرها في حياتي وشخصيّتي وحتّى في ملامح وجهي. كان أبي، مثل كل رجال بلدة الشوير المشهورين بمهارتهم في التعامل مع الصخر، يذهب حيث يُطلب ويَجد عملاً. وشاء القدر أن أولد حيث كان يعمل في قرية الهُوَيّة في جبل الدروز في سوريا، في 1919. لكنّ أمّي أيضاً زرعت في طيني. فتحت عينيّ على المعرفة. علّمتني القراءة. وأنا استسغت ذلك. وإذ أُرسلت إلى المدرسة الإنجيلية في الشوير، شعرت بأنني أُفطم عنوة. أحزنني ذلك، وإن شُدهت لما أسمعه وأطلع عليه في المدرسة. صرت بين عالمين: البيت، الأمّ والحنان والمعرفة السلسة الطرية المرغوبة؛ والمدرسة، التعليم القاسي والزجري والعقابي. عالم أستوعب فيه ما أتلقّاه، وعالم أحفظ ما أُجبر عليه. والمزامير التي حفظت بعضها قبل أن أبلغ العاشرة من العمر كانت من العالم الثاني، في الأقل آنذاك قبل أن تعود في ذاكرتي بعد سنوات. وكذلك مبادئ علم الحساب التي نسيتها كليّاً. أما شغفي فكان باللغة العربية، ثم بالإنكليزية والفرنسية، اللتين صرت أحبو بهما. وميّزني ذلك عن زملائي. ابتهجت بنفسي. انطلقت صبيّاً حشرياً. أنصَتُّ لكل ما أسمعه وأراه وأشمّه وأتذوّقه. نَمت في نفسي روح شاعرة. ورحت أنظم الزجل والخطابات. أدوّن ما يخطر في بالي وأبذل الجهد عليه في دفاتري التي تتكاثر. وكنت أحملها أينما أذهب. وأبقيها قربي حين أنام. وذاع صيتي زجّالاً وخطيباً، لا في الشوير فحسب، بل تجاوزها إلى البلدات المجاورة حتّى بكفيا. وأنا مَن فعل ذلك، إذ أرسلت بعض ما أكتب إلى مجلة "العرائس". وقد نشر منها رئيس تحريرها عبد الله حشيمة. ووصلت بي المواصل أن جعلت تظاهرة في الشوير تطالب سلطات الانتداب الفرنسي بالإعاشة تردّد ما نظمته: "بدنا خبز، بدنا طحين/‏ بدنا ناكُل جوعانين/‏ ما عنّا شغل ماشي/‏ ومحرومين الأعاشي/‏ صرنا متل الفراشي/‏ يلي جناحا مقصُوصين".

إلا أن تلك السنوات لم تكن مبهجة على الدوام. ثمة صفحات بقيت بيضاء في دفاتري. عجزتُ عن خط حرفٍ فيها، وحتّى عن النظر إليها. اجتاحني مرض شقيقتي الصغيرة أوليفيا. كانت طفلتي وأنا طفل. كانت مغناطيسي الحميم، إذ أغادر البيت أبتعد عنها، وإذ أعود مسرعاً فلأقترب منها. ونلهو معاً. تحبّني. تبكي لغيابي، وتفرح بحضوري. وقد تعلّمت المشي وهي تلاحقني وتقبض على أطراف ثيابي التي أحببت دائماً أن تكون واسعة. وأبعدني والديّ عنها، وعنهما، حين اشتد المرض بها. ضعفتُ كثيراً. وهنت. خافا عليّ. كنّا في بلدة بوارج قرب شتورة حيث يعمل والدي، فأرسلاني إلى الشوير كي لا أراها تنازع الموت. لكنني نازعت معها. مسّني الموتُ. لمّني على نفسي. صرت وحيداً مذ ذاك. مذ رحلت أوليفيا. ومذ غادرت وأنا أنتظرها. بات جسدي الضئيل عكازين لروحي الثقيلة. دفعني ذلك إلى نهاية الدرب عند حدود الغابة.

تمرّد

هناك، أمام الكثافة المعتمة، الموحِشة، وقفت في محطة المراوحة. ترنّحت. وفي الوحدة المتلاطمة، العميقة البلا قرار، نما التمرّد في عقلي وقلبي مثل زنبقة سوداء. تغذّى ذلك في مواجهة الصرامة التي عشتها في المدرسة اليسوعية في الشوير. كنت سعيداً بما أتعلّمه، خصوصاً من الأدب العربي، لكنني كنت أضيق بالقسوة والقصاص. فما كان لي ملجأ إلا البريّة. البرية التي في الطبيعة، والبرية التي في نفسي. ولا فرق. لم أجد حدّاً فاصلاً بينهما. ومن هناك، من هنا، من الجبال التي أهشل إليها، كنت أرى العالم.

في هذا الخضم، حلّ المرضُ والتعبُ على والدي. أبقاه العجز في البيت. وكنت ما زلت صغيراً. وإخوتي أصغر منّي. انتُزعت من الدراسة، لإعالة أسرتي. عملت في مهنة أبي، وتدرّجت إسكافياً حتّى صرت معلّماً. ولم يكن ذلك بحد ذاته صعباً أو مؤلماً. لم أكن أتوق إلى حياة بعينها كي أقارنها بما أنا عليه فأتوجّع. رضيت، أو تكيّفت. فمَن بين يَديه حذاءٌ مهترئٌ يعمل لإصلاحه كي يكمل صاحبه السير في دربه، يحمد الله أنه جالس. وكنت أملك يدي عمار يبدو بينهما الحذاء لعبة. وكنت أملك فماً واسعاً يمسك المسامير برفق لكنه يتمتم بكلمات تخفق في كياني. وإذ يكفيني أن أحمل القروش إلى البيت، كانت الجبال تناديني. وأنا في الحانوت خلف السندان، أمتلئُ انتظاراً لها. وأهرب إليها. ألاقيها. ألوذ بها. وعندما يجبرني الواجب ألا أبتعد عن أسرتي، أزرع الحقل المجاور للبيت. أقلّم الأشجار. أرافق نموّ النباتات، وأحبّها إلى قلبي المنتور. ويتناثر منّي الزجل والأغاني. أقيم حفلاً.

مع أنطون سعادة

لم يخرجني من عالمي هذا سوى جارنا أنطون، ابن الطبيب خليل سعادة. التقيته عندما جاء من البرازيل. تكرّرت جلساتنا. تجمعنا اهتمامات مشتركة، أدبية ولغوية خصوصاً. أنا في الثالثة عشرة وهو في الثامنة والعشرين. والفارق بيني وبينه، وبينه وبين الآخرين في البلدة، ليس عمريّاً فحسب. اطلاعه واسع وشخصيّته مجرّبة وقد رسم لحياته طريقاً. يدعو إلى نهضة قومية سورية. يسعى لتأسيس حركة نظاميّة تواجه تقسيم الهلال الخصيب وبناء دولة لليهود في فلسطين وقضم تركيا الاسكندرون. يتحدّث عن ذلك بحماسة ونبرة خطابية وفصاحة. شدّني ذلك، وجذبني أكثر ذاك التمرّد الدافع إلى المواجهة والممزوج بالفكر. كرر عبارة "نظرة فلسفية جديدة إلى الحياة والكون والفن". كان الانصات له والحوار معه، ونحن نمشي بين أشجار الصنوبر، متعة وتحريضاً على المعرفة. وحين كنا نزوره في العرزال، تطرّقنا للأدب السوري. لمعت عيوني وانشدهت له وهو يبحبش في القصائد والقصص والروايات ويحلّلها ربطاً بالأمة والنهضة والفلسفة والحياة. كان يقول كلمات وأفكاراً تحوم حولي منذ زمن، أبحث عنها، أنتظرها.

وعندما غادر إلى بيروت، احتفظت ببعض الكتب منه أقرأها بنهم. وعندما عاد قصد بيتنا. تناولنا الطعام معاً. ومع غياب الشمس سألني إن كنت مشتاقاً إلى مطل الدير. وفي أثناء سيرنا دعاني إلى أن أُسمِعه آخر ما نظمته من الشعر. ترددت أن أقع بين يدي نقده، فأخفيت عنه الخربشات التي تحفظ ارتباك كتابتي منذ سمعت آراءه. وعدته بأن أفعل في المرة المقبلة. ولعلّه عرف ما حجبته عنه، أو ربما أحب أن يبث بي أفكاره. قال وهو يرفع كتفيه ويرجع رأسه: يا صديقي، إن الكتابة بلا قيمة إن لم تصدر عن شاعر صقل ذاته وربطها بأمّته وحركتها وحضارتها. الأدب ليس على الحياد في وجود الأمة ومعاركها. الأدب أدب الحياة.

وتابعنا سيرنا عبر الجبال والوديان الساكتة في ظلال صنّين. وصرت كلّما مشيت استدعتني تلك الدروب. لم تعد مسالك لعزلتي. بت أمشيها مع رفقة. وبتنا، أترابي وأصحابي ومَن جذبهم أنطون سعادة، رفقاء في الحزب الجديد. ولقاءاتنا العلنية باتت اجتماعات سريّة. وفيما تكرّس أنطون زعيماً فوق هرمنا صرت أنا مدير منفّذية الشوير. لم يعيّنني الزعيم فحسب، بل تحمّس لذلك متوسّماً بي خيراً. وكان ذلك بديهة بالنسبة إلى الرفقاء، إذ لم أكتفِ بتكرار ما أسمعه من سعادة وما أقرأه من أدبيّات الحزب التي كانت متواضعة، بل أقرأ الأدب والفلسفة وأنظم الشعر.


حاوي: فتوري تجاه مجلة "شعر" بسبب نزعتها التغريبية والنخبوية



عدت إلى الدراسة

لكن ذلك لم يقنعني بالكامل، وإن أغرتني القيادة وواءمت شخصيّتي. لقد أيقظت التجربة، أنطون وأحاديث العرزال، وخصوصاً انضمام مثقفين وطلاب جامعات إلى الحزب، رغبتي في متابعة الدراسة. صرت أرى نفسي فرداً في أمة، ومصيري مرتبطاً بها. نهضتي حجر في بناء نهضتها. قلت هذا لنفسي وأنا في أعمالي المتواضعة. قلته وأنا أقرأ بودلير وأصطدم بتناقض واقعي، وواقع الأمة، مع الحرية. وفي هذا السؤال، تزلزلت حياتي. كُشف أمرُ الحزب في منتصف 1936 بعد سنتين من انتسابي إليه. وحين ضقت بنفسي قررت الهجرة إلى الأردن. منعني الإنكليز في عمان لانتسابي إلى الحزب. قصدت الجولان. ومن هناك، مشيت حتى البحر الميّت حيث كان عمي مهندساً في شركة البوتاسيوم. اشتغلت لسنة. وعندما توافرت على خمسين ليرة فلسطينية، في 1941، عدت إلى الشوير. القرار هو العودة إلى المدرسة. استعنت بصديق لتعلّم الإنكليزية. وقرأت الكتب المدرسية في المواد العلمية، ثم التحقت في 1945، وأنا في السادسة والعشرين من عمري، بكلية الشويفات. وبعدها بسنة مشيت إلى الجامعة الأميركية في بيروت.

لبنان وفلسطين

وفيما كنت منغمساً في دراسة الفلسفة، عاد سعادة (1947). احتشد القوميون لاستقباله في المطار. ألقى خطاباً استفز زعماء الجمهورية اللبنانية. قرأوا فيه ما يهدد الكيان الوليد واستقراره. وأنا، مثل القوميين السوريين، سمعت منه دعوة إلى قتال الحركة الصهيونية قبل أن تنقض على فلسطين. أفرحني ذلك. ففي تلك الفترة كنت أصالح سوريّتي مع عروبة أشعر بها منخرطاً في مناخ "العروة الوثقى" في الجامعة وبيروت. وما إن أصدرت السلطات اللبنانية مذكّرة توقيف بحق الزعيم العائد، حتى انتقلنا إلى الشوير. هناك توزّعنا في مجموعات مسلّحة بما توافر من بنادق ومعظمها للصيد، وصرنا يومياً ننتشر لنؤمن مخبأ الزعيم وحركته السريّة. ولم أعد إلى بيروت إلا بعدما تراجعت السلطات عن المذكرة، في مقابل توضيح سعادة موقفه الاعترافي بلبنان مع استمرار النضال لنهضة الأمة ووحدة سوريا.

لكنّ الأمر لم يتوقّف هنا. كان الحزب يمر بأزمة داخليّة. فيما الزعيم كان في المهجر، القيادة تلبننت وارتاحت لعلاقات مع السلطة. والزعيم رفض ذلك. أبعد الرئيس نعمة ثابت وفريقه. وكذلك مسؤول التثقيف، فايز صايغ، إذ اعتبر أنه انحرف عن العقيدة وتبنّى فلسفة عدميّة. في تلك الفترة، التقيت سعادة كثيراً في منزله القريب من الجامعة. وكثيرون راحوا ينشرون أنني الرئيس المقبل للحزب. وأنا لم أكن في هذا الصدد. الفلسفة والشعر همّي وانشغالي. وإذ أنظر من خارج نفسي، أتطلّع إلى فلسطين. وقد احتُلّت، فنُكبنا. وبكينا. ونشرت قصيدة في مجلة "العروة الوثقى". أيكفي؟!

العقل والإيمان

ونحن في هذه الحال، توتّرت العلاقة بين الحزب والسلطات اللبنانية. هجم كتائبيون على مكاتب جريدة "النهضة" في الجميزة. تمكّن سعادة من المغادرة والوصول إلى الشوير. توقّعت اعتقالي. بقيت في الجامعة. لم يتحمّس سعادة لانقلاب حسني الزعيم في سوريا، آذار 1949. لكنّه لجأ إلى دمشق. التقى الزعيمان. وفي المرّة الثانية أهدى الزعيم السوري مسدّسه لسعادة الذي أقنع نفسه بصدق قائد الانقلاب. ومن هناك، أعلن زعيم الحزب الثورة الاجتماعية. فشلت في مهدها. سُلِّم سعادة للسلطات اللبنانية. حاكمته وأعدمته خلال ساعات. فجعني موت أنطون سعادة، ابن بلدتي، رفيقي في نزهات الشوير وجلسات العرزال. وفي غضبي، دعوت للثأر له.

هذا الجزء من قصتي مهم ومحزن. لكن ما حصل بعد ذلك هو المقصود. سجالات طويلة وقاسية مع الرئيس الجديد للحزب، جورج عبد المسيح. كان في دمشق وزرناه أنا وغسان تويني مرات عدة، ولم نفلح في التفاهم معه. كان يفسّر العقيدة على طريقته، بصلابة لا يفلح معها الحوار. بعد ذلك، رحت أنسحب من الحزب. اغتيال رئيس الحكومة اللبنانية رياض الصلح أبعدني أكثر. التزمت الصمت. ثورة الضبّاط الأحرار في مصر (تموز 1952) أخرجتني من المآسي والانكسارات. وأكثر ما أتعبني في تلك الآونة هو اغتيال معاون رئيس أركان الجيش السوري عدنان المالكي (1955) واتهام الحزب بذلك. إلا أنه كان ثمة ما يشغلني. أنجزت أطروحتي عن "العقل والإيمان بين ابن رشد والغزالي". نشرت قصائد في مجلة "الآداب" التي يحررها صديقي الروائي سهيل إدريس.





الغربة والشعر والحب والثرثرة

وفيما كان الرئيس المصري جمال عبد الناصر يعلن تأميم قناة السويس، 1956، وقد ردت بريطانيا وفرنسا وإسرائيل على ذلك بعدوان ثلاثي، سافرت إلى لندن ممنوحاً لمتابعة الدكتوراه في جامعة كمبردج. هناك، حقّقت حلماً قديماً. وأنا أتعمّق في الفلسفة الغربية، انكببت على دراسة جبران خليل جبران في إطاره الحضاري. وتحت تأثير كاتب "النبي" والعزلة، وأمور أخرى، غرقت في الغربة. اشتهيت هواء صنين، وبحر بيروت ومقاهيها ومسارحها، ورائحة صحفها. وشَغلت نفسي بالقراءة والكتابة. نشرت قصيدة واحدة في مجلة "شعر" (السجين). ولم أتحمّس لتكرار التجربة. وكان فتوري تجاهها يتغذّى من نزعتها التغريبية والنخبوية. ارتحت لعروبة نظيرتها "الآداب". في تلك الفترة، واصلت الشغل على قصائدي والاهتمام بمشروعي الشعري، بالعلاقة بين القصيدة والرؤيا، بتصفية اللغة، بالبناء الشعري وقيمة الرمز فيه، بمعنى الرمز وضرورة أن يكون أسطورة تراثية شعبية قائمة في ضمير الأمة... نشرت "نهر الرماد" (1957).

بقيت فوق أرجوحة الغربة ومتابعة الدراسة حتّى جاءت ديزي إلى لندن. كأن صنوبر لبنان وفاكهته، ونخيل العراق وتمره، نبتت في مدينة الضباب. غمرني الوجود. أمسكَت حبيبتي بيدي في ليالي الشك والخلق. أقبلت على الحياة. ولعلّي اهتممت بصحّتي وهندامي. أذكر أننا اشترينا ثياباً جديدة. وقصدنا دور سينما ومسرح وكتب وحدائق. لهونا كما لم أفعل في عمري. لكنّ صاعقة ضربتنا. طاردتني ثرثرات بيروت إلى لندن. وانقلب كل شيء.



حاوي: فتوري تجاه مجلة "شعر" بسبب نزعتها التغريبية والنخبوية



فجائع الواقع

عدت حاملاً شهادتي وجرحي وقصائد جديدة إلى بيروت. أحببت أن أشعر بالاستقرار، وبأن رحلته بدأت. قصدت الشوير لأبتعد من الضوضاء. إرتميت في حضن أمي. اطمأننت على الحديقة. مشيت في الدروب القديمة. تمكنت بعد ذلك من مواجهة المدينة. مجدّداً. استقبلتني الجامعة الأميركية. عيّنتني أستاذاً في الدائرة العربية. ابتسمتُ. واستأجرت منزلاً قريباً من شارع بلس ومطاعمه. القهوة وحدها أتولى أنا طبخها.

تغيّرت بيروت في غيابي. باتت أكثر نشاطاً. الأبنية ترتفع والمؤسسات تزداد. إهراءات جديدة في المرفأ. ملامح غربية بارزة. ورائحة الدولارات والبترول حاضرة. ووسط هذا: مجلات ثقافية، كتب، دواوين، أفلام، معارض تشكيلية. أما أنا فأطلقت "الناي والريح" (1961). وقد اقترن صديقي بدر شاكر السياب في تلك الأيام بحدثين متناقضين: نشر "أنشودة المطر" وأصابه المرض. حزنت له. ونشطت لتأمين كلفة علاجه. أعددنا، أنا ومجموعة من الأدباء والجامعيين، رسالة وأبرقناها إلى الرئيس العراقي عبد الكريم قاسم نطلب فيها مساعدة الشاعر الكبير.

حديقة الجامعة، حيث أمشي يومياً، والأزرق الفسيح أمامها يعوضانني الريف الذي أفتقده. وخارج قاعات التدريس، ألتقي أصدقاء، شعراء وأدباء، طلاباً وأشخاصاً طيّبين، ونساء، لكنّ قلبي مكسور. أنا هنا. هكذا يُقال، وإن لم يصدّق ذلك بعض الخلان. أنتظر عطلة الصيف لأقصد الشوير وصنين. هناك، أجد نفسي. أعود ذاك الريفي، البري. وإن نسيت لا أنسى ما أتركه خلفي. أمة في "بيادر الجوع" (ديوان، 1965). أمة انهزمت. المفكر فقد عقله وقلبه. الشاعر صار رمزاً لنفسه. نوع القصيدة بات ثورة. والثورة أن تفقد الذاكرة. المناضل أُحبط، أو فسدت روحه ويده، أو استبد. العسكري بلا بوصلة. اللغة صارت ترجمة. العقائد صارت حجارة، صخوراً.

كتبت: "بديهي أن يتعطل تطور الحياة متى انشقّت إلى مثالية غيبية ومادية متسفّلة، متى تغوّرت الحيوية، وخلع الوهم ظلّه المخدر على فجائع الواقع".

أشتاق إلى أختي أوليفيا

وسط هذه الصحراء، حشرجة سلاح في بيروت، ولبنان. الأفواه تطلق نيراناً من العيار الثقيل. الصحف تشهد معارك. والمنابر تصدح بالجهل. ثمة حرب (1975). والحرب انبعاث الموت، وقتل الانبعاث. "عمّقِ الحفرة يا حفَّار/ عمّقها لِقاع لا قرار/ يرتمي خلف مدار الشمس/ ليلاً من رمادٍ/ وبقايا نجمة مدفونة خلف المدار".

رصاص رصاص. متاريس. الدين أوقفت رحمتُه على الحاجز. وجهها إلى الحائط مرفوعة اليدين. أين أنا؟ في الشوير وصنين؟ في بيروت؟ أكون في الشوير فتكون بعيدة. أكون في بيروت فتكون بعيدة. أين أنا أكون بعيداً مني. لست مقسّماً مثل البلد. أنا موحّد مثل ألمه. أقف على المنابر. أقرأ القصائد. أُجري المقابلات. لكنني شبح فارق الحياة، يُنشد أن يقرأ خبره في صفحة الوفيّات. يأخذ موعداً غرامياً مع الانتحار. يخونه هذا الماكر. يعود ميّتاً من القبر.

كتبت كثيراً في تلك السنوات. ومشيت كثيراً. كنت قلقاً، بركاناً. القصائد في رأسي. تتكرّر. أعصرها. أصفّيها. لاحقتها حتّى المطبعة (ديوانا "الرعد الجريح" و"من جحيم الكوميديا"، 1979). مكرُ التكنولوجيا قهرني بأخطاء صغيرة. حرقت ما لدي من نسخ. القصائد في رأسي بركان.

العدو الإسرائيلي يتجاوز الحدود. يزحف يزحف نحو العاصمة، بيروت (حزيران 1982). دباباته تحاصرني. مدافعها نحو رأسي. عار على جبيني. "ألحواسُّ الخمس فوهاتُ مجامر/ تشتهي طعم الدواهي والخراب/ تشتهي طعم دمي/ طعم التراب/ ينطوي جسمي على جسمي/ ويلتف دوائر/ ثم ينحلُّ لأَجسام/ تمحّيها وتبنيها الظنون:/ في ضباب الحلم/ جسم شاحب يطفو على نحر حزين/ جبهةٌ يغسلها ظلُّ شعاع/ ويوشي في جبال الليلِ/ أطراف الشراع".

أجلس الآن (6 حزيران 1982) على شرفة منزلي. بين يدي بندقية الصيد تنظر نحوي.

أختي أوليفيا تمسك يدي. أشتاق إليها.

رصاصة واحدة لا تقتل ميّتاً. على رغم ذلك أطلقتها على رأسي. موت شاعر ربّما يُعيد تموز إلى روزنامة الأمة.