جوزيف باسيل

خليل حاوي عاش قضايا أمّته في شعره ومات فداء لها

3 شباط 2024

02 : 03

على مثال التراجيديا الإغريقية وضع خليل حاوي حداً لحياته عام 1982 عقب الاجتياح الإسرائيلي للبنان، واحتجاجاً على التخاذل العربي في نصرته. وفي الذكرى الأربعين لرحيل الشاعر الذي رُفعت صورته في جامعة كامبريدج الإنكليزية، وكتب تحتها: «خليل حاوي أحد أهم شعراء العربية في النصف الثاني من القرن العشرين»، جمعت «دار نلسن» و»مؤسسة أنور سلمان الثقافية» ثماني عشرة قصيدة غير منشورة وغير مجموعة في كتاب، وذلك بجهود جمانة إيليا حاوي، ابنة شقيقة خليل، بغية حفظها للتاريخ لئلا تضيع، خصوصاً أنّ قسماً منها كتبه خليل حاوي في أواخر أيامه.



إنّ القصائد هي جزء من آثاره وتجربته، وربما تتساوى قيمتها التوثيقية بقيمتها الفنية وتكتسب أهمية على صعيد آخر هو معرفة ماذا كان يكتب خليل حاوي في سنواته الأخيرة، وماذا كانت أفكاره وانهماكاته وما هو الشكل الذي يترصده في تجربته الشعرية، كما كتب سليمان بختي في مقدمته. أما محمود شريح فكتب أنه كان يتمشى مع أستاذه عشية كل أربعاء بعد ثلاث ساعات يحاضر فيها عن تاريخ النقد الأدبي ونظرياته من أرسطو إلى كولريدج ومن الجرجاني إلى محمد غنيمي هلال. وكتب شريح: «كان يحلو له أن يُسمعني ما كان كتبه من قصائد حديثة نظمها أذكر منها «يا صبية» و»زحفت إليك من الأعالي» و»صبية مكتهلة». رافقت حاوي على مدى ثلاث سنوات، من أيلول 1979 إلى حزيران 1982 فكان خير ناصح ومرشد ومعين».

أما وجيه فانوس الذي تتلمذ عليه ثم خلفه في تدريس مادة النقد الأدبي في الجامعة الأميركية، فيتذكر أنه زاره حين نال منحة تفوقه في الجامعة اللبنانية لمتابعة الدراسات العليا في جامعة كامبريدج، «وفرح بها لأنها جامعة أستاذه»، لكن حاوي قال له: «الأستاذ يللي علمني بجامعة كامبريدج مات، خلينا نشفلك محل تاني». وتحولت المنحة إلى جامعة أوكسفورد.

كان فانوس كتب آخر مقال عن حاوي قبل وفاته أورد فيه رأي حاوي في أنّ مهمة الشاعر العربي الحديث تكمن في قدرة هذا الشاعر على أن ينفُذ بحدسه وتجربته إلى أعماق قضايا العصر. وهذه المهمة أو المحاولة، كما يرى حاوي نفسه، هي «محاولةُ مسيرةٍ تقتضي القدرة الفائقة على معاناة الحياة بقدر ما تقتضي القدرة على التعبير عن تلك المعاناة». وأضاف فانوس «فالقضية لديه لا تنحصر في المعاناة أو التجربة في الشعر، بل إنها تمتد من موضوع التعبير عن المعاناة إلى عيش شعرية هذه المعاناة».

كذلك كتب فانوس أنّ خليل حاوي «طالما رأى في الشاعر العربي العباسي أبي الطيب المتنبي، أنموذجاً عن هذا الشاعر الذي تمكّن أن يكون أمّته في شعره، فإنّ المسار الحياتي والفني الذي عاشه خليل حاوي، يؤكد أنه لم يتفوق على أبي الطيب المتنبي في هذا، فحسب، بل تجاوزه بمراحل عديدة ومديدة وأساس في هذا المضمار».

لعل المقطع التالي الذي كتبه فانوس يفسر وجدانياً الدافع لانتحار حاوي خلال الاجتياح الإسرائيلي: «كان الشاعر العربي الوحيد الذي عاش التفاعل بين الذات والأمة فِعل وجودِ حياةٍ ومنطلقها، ولم يكتفِ بمجرد التعبير عنه بكلمات جوفاء وأقوال لا تتعدى حدود التنظير المصطنع».



بلد القلوب الموصدة

بلد القلوب الموصدة

بلد تحوّل عزمه

غلا يغور ويبتني

في كل قلب موقده

غلّ القلوب الموصدة

يشتدّ من جيل إلى جيل

ويخترق العظام

يشتدّ، يلتهم

الحلال مع الحرام

غلّ القلوب الموصدة

غلّ يغصّ ويبتني

في كل قلب مرصده

والغلّ يعمي الغلّ

في بلد القلوب الموصدة.

لبنان

كنا جدارا يلتقي جدار

ما أوجع الحوار

ما أوجع القطيعه

تغصّ بالفجيعهْ

ما أوجع الجوار.