د. ميشال الشماعي

القواعد الجديدة

3 دقائق للقراءة

لعلّ من أبرز المتغيّرات التي حدثت منذ بداية هذه الألفيّة وحتّى اليوم الاجتياح العارم لجائحة كورونا التي لم توفّر أيَّ صُقْعٍ من الأصقاع الأربعة في العالم. ولبنان في وسط هذا العالم، وهو من الدّول التي ستكون الأكثر تأثّراً، وذلك نتيجة للهشاشة التي تضرب تركيبته السياسيّة. فهل سيستطيع بلد الـ 10452كم2 أن يحافظ انطلاقاً من المقاومة المترسّخة في جينات أبنائه، على ما تبقّى من إرث الآباء والأجداد؟ أم أنّه سينكشف أمام الجميع بعدما تمّت تعريته من معظم أساليب المقاومة؟

ممّا لا شكّ فيه أنّه سيكون للعالم بأسره قواعد جديدة بعد الانتهاء من أزمة كورونا. وما يهمّنا في وطننا لبنان، القواعد التي تحكم الحياة اللّبنانيّة بأدقّ تفاصيلها. سياسيّاً، لقد كشفت هذه الأزمة مدى هشاشة الوضع في لبنان الذي بات على قارعة الأمل يستعطي حفنة منه. فالفساد السياسي الضاربة جذوره حتّى الأعماق، قد أرخى بثقله على الملفّات الأخرى التي ترتبط به ارتباطاً مباشراً. وإن دلّ ذلك على شيء، فعلى مدى الحاجة إلى تغيير النّمطيّة السياسيّة في لبنان من القاعدة الليفنتينيّة المصلحيّة والنّفعيّة إلى قاعدة الشفافيّة والمبادئ التي لها رجالاتها في لبنان برغم اتّساع دائرة القاعدة الأولى.

من هذا المنطلق، سنشهد بعد الأزمة تصاعداً لافتاً للمثاليّة السياسيّة بعدما فشل التّعاطي بواقعيّة مصلحيّة وليس بواقعيّة سياسيّة. لذلك، سنشهد بعد الكورونا سقوطاً مدويّاً لهذه المنظومة النّفعيّة التي حكمت لبنان منذ أربعة عقود خلت وحتّى اليوم. فإنّ مبدأ "العقائد هي التي توجّه السلوك"، المتعارف عليه في علم النّفس هو الذي سيبدّل وجهة لبنان السياسيّة لأنّ العقائد السياسيّة عينها هي التي ستتبدّل.

وهذا ما سيحتّم بناء منطق جديد في التّربية التي تبدأ من البيت حتى المدرسة والجامعة والحياة. لم يعد مقبولاً في بلد كلبنان، وجود مناهج تربويّة تنشّئ أجيالاً خاضعة، بل المطلوب مناهج تربويّة تُعِدُّ فكراً ثورويّاً ونهضويّاً وحداثيّاً. لذلك، ستفرض عمليّة تغيير المناهج التربويّة اللّبنانيّة نفسها بنفسها، بعد أزمة الكورونا، وسنجد أنفسنا في عمليّة سباق مع التطوّر الحضاري الذي للأسف قد سبقنا بأشواط.

ولا نعني بذلك اعتماد النّموذج الصّيني في الحكم على قاعدة شيوعيّة تونغ، بل ما نعنيه النّمذجة الصينيّة، أي محاكاة النّموذج الصيني في المواجهة الصلبة. فبهذه الطريقة فقط نستطيع إنتاج أجيال صلبة تستثمر الجينات المقاوِمة الموجودة في تركيبتها الجينيّة، نتيجة للطبيعة المقاومة التي أجبرت إنسان هذه الأرض على مقاومتها للبقاء والاستمرار.

وممّا لا شكّ فيه أنّ أزمتي التربية والسياسة متى تمّت معالجتهما كما أشرنا آنفاً، سنستطيع معالجة الأزمات التي كانت طفيليّة وصارت أساسيّة، كالأزمات الاقتصاديّة والاجتماعيّة والكيانيّة. وبذلك فقط نستطيع المحافظة على الارث الكياني الذي يميّز وجوديّتنا المشرقيّة. لكن إذا تابعنا حياتنا كما كنّا في لبنان قبل الكورونا العالميّة، فسنستيقظ يوماً ما والعالم بأسره قد سبقنا أشواطاً بأشواط.

إمّا أن نتداعى كلبنانيّين كيانيّين لوضع القواعد الجديدة للثورة والنّهضة بلبنان، وإمّا سنفقد ما دُفِعَ ثمنه قوافل من الشهداء التي لم تنته بعد. عدا ذلك، لا سبيل للنّهوض. وإن استسلمنا أمام هول وفداحة هذه الأزمة بعد انتهائها، سنكون قد وقّعنا على وثيقة وفاة وطننا كيانيّاً بأيدينا. فهل مَن يجرؤ حيث لم يجرؤ آخرون بعد؟