لا تثبت أي أدلة حتى الآن أن التغير المناخي انعكس على انتشار فيروس كورونا الجديد، لكن يحتدم الجدل حول دور أنماط الطقس المختلفة.
في مطلق الأحوال، يمكن استخلاص الدروس حول أثر أي تغيرات مستقبلية في النشاطات البشرية، نتيجة التغير المناخي، على انتقال الفيروسات من الحيوانات البرية إلى البشر. كما حصل مع فيروس "كوفيد - 19"، قد يؤدي انتقال الفيروسات بين مختلف الأجناس إلى نشوء أمراض جديدة تعجز المناعة البشرية عن مقاومتها. يمكن اختصار الآليات التي تؤثر على انتشار الأمراض الفيروسية بما يلي:
• الحشرات
• تغيّر وتيرة هطول الأمطار
• الحيوانات المضيفة
• السلوك البشري
• المناعة البشرية
الحشرات
تحمل الحشرات اللادغة التي تنقل العدوى الفيروسية، مثل البعوض والقراد وذباب الرمل، دماً بارداً. يعني ذلك أنها تعجز عن تنظيم حرارة جسمها، لذا تتأثر كثيراً بالتقلبات الخارجية.
قد يؤدي أي ارتفاع حاد ومفاجئ في الحرارة إلى إضعاف قدرة الحشرات على نقل الفيروسات، لكنها تستفيد في المقابل من ارتفاع الحرارة التدريجي والخفيف. قد يُحسّن الطقس الدافئ ظروف تكاثرها ويزيد إمداداتها الغذائية ويكثّف نشاطاتها أو يطيل حياتها مثلاً.
نظرياً، قد يتعرض البشر للحشرات التي تحمل الفيروسات أو يرتفع معدل لدغات الحشرات نتيجة ارتفاع الحرارة المرتبط بالتغير المناخي.
يبقى نطاق الظروف المناخية الذي يسمح للحشرات بالصمود والتكاثر محدوداً. لذا يؤدي الاحتباس الحراري إلى تحولات في نطاقها الجغرافي أو يجبرها على التطور بطريقة معينة للتكيف مع الوضع المستجد. قد تطلق هذه التحولات مجموعة من "الأمراض المُعدية الناشئة". إنها أنواع العدوى التي زادت أعدادها وتوسّع انتشارها في مناطق جديدة أو بين جماعات سكانية مختلفة في آخر عشرين سنة.
تغيّر وتيرة هطول الأمطار
يتوقع الخبراء أن يزيد هطول الأمطار في مناطق معينة ويتراجع في مناطق أخرى بسبب التغير المناخي، تزامناً مع ظهور آثار معقدة وغير متوقعة على ناقلات الفيروسات.
تؤدي زيادة هطول الأمطار إلى نشوء مناطق إضافية فيها مياه مفتوحة وراكدة. تكون هذه المناطق (على غرار البِرَك والحاويات المُهْمَلة) بيئة مثالية لنشوء ناقلات الفيروسات.
وفق منظمة الصحة العالمية، قد تؤدي الظروف الرطبة إلى تفشي الحمى الصفراء وحمى الضنك، علماً أنهما تنتشران عن طريق بعوض الزاعجة المصرية.
في بعض الأماكن، يزيد الجفاف احتمال تكاثر ناقلات الفيروسات، فيجفّ قاع النهر مثلاً ويُخلّف بِرَكاً راكدة، أو يحاول البشر جمع كميات إضافية من مياه الأمطار في البراميل والخزانات.
يظن الخبراء أن الشتاء الدافئ الذي تلاه صيف حار وجاف في العام 1999 أدى إلى انتشار فيروس غرب النيل الذي ينقله البعوض في الولايات الأميركية وسط المحيط الأطلسي عن طريق شبكة معقدة من التغيرات البيئية. بالإضافة إلى زيادة المياه الراكدة التي تشكّل بيئة مثالية لتكاثر الفيروسات، أدت التغيرات البيئية على الأرجح إلى اختلال توازن الطبيعة بطرقٍ أخرى. ربما تراجعت أعداد اليعسوب والضفادع التي تلتهم يرقات الحشرات.
أخيراً، تُعتبر الطيور أبرز حيوانات مضيفة للفيروسات. وبسبب زيادة أعدادها في فتحات المياه المتناقصة، ربما أصبحت فريسة سهلة للحشرات اللادغة.

الحيوانات المضيفة
قد يؤثر تغيّر هطول الأمطار ودرجات الحرارة على كميات الطعام التي تأكلها الحيوانات المضيفة، منها الخفافيش وقرود الشمبانزي والبنغول والغزلان. نتيجةً لذلك، يتغير حجمها ونطاقها وقد يزيد احتكاكها بالبشر. تبرز أدلة على حصول ذلك في الماضي.
في أواخر العام 1999 وبداية العام 2000، رصد علماء في "لوس سانتوس"، باناما، أولى حالات متلازمة فيروس هانتا الرئوية في أميركا الوسطى. يكون هذا المرض الرئوي القاتل حيواني المنشأ ويشتق من فيروس موجود في لعاب القوارض وبولها وبرازها.
على صعيد آخر، قد يكون فائض الأمطار سبباً غير مباشر لانتشار الفيروسات المعوية التي تصيب ملايين الناس سنوياً حول العالم. يتناقل البشر هذا النوع من العدوى، على غرار فيروسات شلل الأطفال وكوكساكي وإيكو، عبر احتكاك الفم بالبراز.
كذلك، يُسبّب التغير المناخي السيول في الأراضي ويجرف الصرف الصحي البشري إلى البحر. في هذه الحالة، قد يلوّث جزء من تلك الفيروسات المحار مثلاً، ما يؤدي إلى ارتفاع مستويات المرض لدى البشر.
السلوك البشري
تشير تقديرات "المراكز الأميركية للسيطرة على الأمراض والوقاية منها" إلى ظهور ثلاثة أمراض جديدة أو ناشئة من كل أربعة بسبب الحيوانات.
ربط الخبراء أولى حالات "كوفيد - 19" بسوق "هوانان" الرطب في محافظة "ووهان" الصينية، حيث كان الناس يبيعون الحيوانات البرية للحصول على لحومها.
أكدت دراسة جديدة نشرتها مجلة "الطبيعة" على أن فيروس كورونا الجديد لم ينشأ في مختبر، كما تفترض نظريات المؤامرة. بل إن جينومه يشبه بدرجة كبيرة فيروسات كورونا التي تحملها الخفافيش وتلك التي تصيب البنغول. تتماشى هذه النتيجة مع النظرية القائلة إن الفيروس انتقل إلى البشر من الخفافيش عن طريق حيوانات البنغول التي تُباع في سوق "هوانان". لا تثبت أي معطيات حتى الآن أن التغير المناخي أثّر على نشوء فيروس "كوفيد - 19"، لكنه انعكس على الأرجح على نوع النشاطات البشرية التي تُقرّب الحيوانات البرية من البشر، لا سيما حين تتراجع الإمدادات الغذائية.
إذا تراجعت المحاصيل ونفقت المواشي بسبب زيادة الفيضانات والجفاف وموجات الحر والآفات الزراعية، قد يدفع الجوع الناس إلى صيد أعداد إضافية من الحيوانات البرية والتهامها.
أدت ظاهرة مشابهة على الأرجح إلى نشوء فيروس إيبولا المُعدي والقاتل في بلدة واقعة في غابة "مينكيبي" في شمال الغابون في العام 1996.
يظن الخبراء أن انتشار الفيروس ارتبط بإقدام سكان البلدة على قتل شمبانزي وأكله. ربط العلماء موجة أخرى بدأت في العام 2007 في غرب إفريقيا بأكل خفافيش الفاكهة. حتى أن تدمير الأنظمة البيئية في الغابات البكر بسبب قطع الأشجار وممارسات بشرية مختلفة قد يزيد مخاطر انتقال فيروسات أخرى من الحيوانات البرية إلى البشر.
المناعة البشرية
على خطوط العرض الشمالية، تميل أوبئة الإنفلونزا إلى الظهور بين تشرين الأول وأيار، وتبلغ ذروتها في كانون الثاني وشباط. بشكل عام، يؤدي الطقس الدافئ إلى تراجع انتشار الإنفلونزا نظراً إلى انحسار نزعة الناس إلى التجمّع في المساحات الداخلية بأعداد كبيرة.
كذلك، تتراجع مدة حياة الفيروسات التنفسية في الطقس الأكثر سخونة ورطوبة. لذا قد يدفع التغير المناخي موجات الانتشار الفيروسي الموسمية نحو الشمال حيث يكون الطقس أكثر برودة وجفافاً.
ما من إجماع علمي حتى الآن حول وتيرة انتشار أوبئة الإنفلونزا تزامناً مع ارتفاع درجات الحرارة خلال العقود المقبلة.
يحذر المشرفون على دراسة نشرتها هذه السنة مجلة IOPscience من اختلال قدرة جهاز المناعة على محاربة الالتهابات التنفسية بسبب التقلبات السريعة في الحرارة كتلك التي يسبّبها الاحتباس الحراري. اكتشف الباحثون أن تغيّر أحوال الطقس بسرعة في فصل الخريف يرتبط بتفشي الإنفلونزا بوتيرة أكثر خطورة خلال أشهر الشتاء اللاحقة. يكتب العلماء: "تكشف النماذج المناخية أن تقلبات الطقس السريعة في الخريف ستزيد قوة في المناطق الواقعة على خطوط العرض الوسطى الشمالية في ظل الاحتباس الحراري، ما يعني أن احتمال انتشار وباء الإنفلونزا قد يزيد بنسبة 20 إلى 50% في بعض المناطق المكتظة بالسكان في فترات لاحقة من القرن الواحد والعشرين".
تكون مناعة الأولاد وكبار السن الأكثر ضعفاً، لذا يسهل أن تتأثر بتقلبات الحرارة السريعة. يكتب الأطباء في "حوليات الجمعية الأميركية لأمراض الصدر" أن زيادة حالات الالتهاب الرئوي بدرجة قياسية لدى الأولاد في أستراليا ترتبط بالتراجع المفاجئ في درجات الحرارة.