جوزيف حبيب

صفعة مدوّية على وجه "القيصر"

26 حزيران 2023

02 : 00

ما حصل يطرح أكثر من علامة إستفهام حول صورة بوتين ومستقبله في الكرملين (أ ف ب)

لم يكن تاريخ 24 حزيران 2023 كغيره من المحطّات الصعبة التي عَبَرها "القيصر" فلاديمير بوتين منذ وصوله إلى السلطة أواخر العام 1999. ليس سهلاً على "الحاكم بأمره" الذي لطالما حرص على إظهار صورته كـ"قائد قوي" يكدح لإعادة أمجاد روسيا التاريخية ويجهد لصياغة نظام دولي متعدّد الأقطاب، أن يُواجه تمرّداً عسكريّاً داخليّاً من قِبل أحد أزلامه الجامحين، ولو انتهى الأمر سريعاً وبأقلّ قدر من الخسائر.

تخطّى ما جابهه بوتين السبت الفائت، بأشواط، ما تصدّى له الرئيس السابق بوريس يلتسين في الإنقلاب الفاشل صيف عام 1991 وفي الأزمة السياسية عام 1993 خلال ولايته الأولى، إذ تحدّى قائد مجموعة "فاغنر" المرتزقة يفغيني بريغوجين سلطة بوتين واحتكارها ممارسة العنف بعد أكثر من عقدَين من تولّي ضابط الـ"كي جي بي" السابق "العرش" واستئثاره به، فضلاً عن سحقه أيّ معارضٍ جدّي يتجرّأ على رفع الصوت في وجهه.

لقد وجّه بريغوجين صفعة مدوّية على وجه بوتين وهيبته، وأذلّه أمام الداخل والخارج فاضحاً تصدّعات نظامه، ما دفع الأخير إلى وصف التمرّد بـ"الخيانة" و"الطعنة في الظهر". فالرئيس الروسي هو من "صَنع" بريغوجين وجعله يصعد "سلّم النفوذ" سريعاً، فيما شكّلت "فاغنر" سلاح بوتين "القذر" والسرّي لتحقيق مصالح بلاده حول العالم. كاد بوتين يتجرّع "كأس السمّ" الذي سكبه له "طبّاخه" السابق حول مائدة الصراع على النفوذ والسلطة، لولا نجاح "وساطة" الرئيس البيلاروسي المشكّك في شرعيّته ألكسندر لوكاشينكو.

تعثّر حملة بوتين العسكرية في أوكرانيا وفشلها في تحقيق أهدافها بعد نحو سنة وأربعة أشهر على انطلاقها، فتحا الباب أمام بريغوجين، الذي انكبّ على تصوير نفسه كـ"بطل" معركة باخموت أمام الرأي العام الروسي، لمجابهة القيادة العسكرية الروسية ومساجلتها علانيةً بطريقة سوقية مستفزّة، وصولاً إلى حدّ تشكيكه في الأسباب التي روّج لها الكرملين لشنّ حربه على أوكرانيا، وإطلاقه "مسيرة لتحقيق العدالة" و"تحرير الشعب الروسي" بالزحف العسكري نحو موسكو، لكنّه سرعان ما تراجع عن خطوته بـ"تسوية" ما زالت "مضامينها الوازنة" غامضة.

بدأت صورة بوتين بالاهتزاز بعدما تلقّت القوات المسلّحة الروسية نكسات ميدانية متتالية في "المستنقع الأوكراني"، واستعانته بكتائب "أحمد" الشيشانية التي تعمل تحت إمرة الرئيس رمضان قديروف المقرّب منه، إضافةً طبعاً إلى مجموعة "فاغنر" التي جنّدت آلاف السجناء الروس للقتال في أوكرانيا مقابل العفو عنهم. وبينما عزّزت الحرب في الشيشان نفوذ بوتين داخل "المنظومة الروسية" وألمَعت نجمه في بداياته، بات "القيصر" اليوم يستنجد بالمقاتلين الشيشانيين الموالين لقديروف في حروبه الخارجية وحتّى للحفاظ على حكمه.

سارعت وحدات شيشانية السبت إلى التمركز على مشارف مدينة روستوف، حيث سيطر عناصر "فاغنر" الذين لاقوا ترحيباً شعبيّاً لافتاً، على مقرّ القطاع الجنوبي للجيش. ولو لم ينتهِ التمرّد بـ"صفقة" ترتّبت عنها عودة وحدات "فاغنر" إلى قواعدها و"نفي" بريغوجين إلى بيلاروسيا، لكان تحوّل الصدام بين "فاغنر" من جهة و"الحرس الوطني الروسي" والمقاتلين الشيشانيين من جهة أخرى، إلى حمام دم حقيقي، إن لم يُحسم بسرعة قد يودي بالاتحاد الروسي الذي يضمّ أكثر من 190 إثنية، إلى حرب أهلية "هرمجدونية" تُهدّد بتفكّكه، مع ما يعنيه ذلك من "كابوس عالمي" على مصير آلاف الرؤوس النووية والأسلحة البيولوجية والكيماوية.

مرّ قطوع 24 حزيران بحدّ "مقبول" من الضرر على روسيا. بيد أنّ ما حصل يطرح أكثر من علامة استفهام حول صورة بوتين ومستقبله في الكرملين، وهو "قائد الأمة" الذي لم يُحسن قراءة مخاطر "هيجان" بريغوجين، الذي استمرّ لأشهر، ولم يحسب حساباً لخروج "فاغنر" عن طاعة "النظام"، إضافةً إلى احتمال انعكاس "الصدمة الداخلية" سلباً على طول جبهات موسكو المنهكة في أوكرانيا.


MISS 3