خالد أبو شقرا

حيّنا والكورونا – عمّاطور الشوف

دقيقتان للقراءة

قبل ان تحط رحالك في عمّاطور الشوفية، تستوقفك حواجز طيارة كثيرة، بعضها آلي يغسل السيارات بالمعقمات، والآخر بشري تتقدمه عبارة البلدية الفلانية، لجنة الكورونا. أفراد الحاجز الذين غالباً ما يكونون شرطة بلدية أو متطوعين من جمعيات المجتمع المحلي، يستقبلونك بحذر شديد مدججين بالقفازات والكمامات وعوازل بلاستيكية جديدة تغطي الوجه. بعد الإستفسار عن المقصد يشهرون سلاحهم في وجهك: ميزان للحرارة عن بعد، فإما يصيب وتعود أدراجك، وإما يخيب وتكمل طريقك.

في عمّاطور يظهر جلياً سرقة كورونا لحلقات الشباب من أمام المحلات، واستيلاءها على جلسات الرجال المتواجهين عند طرفي "دق" طاولة الزهر على الرصيف المحاذي للشارع العام. أعداد السيارات المتوقفة على جانبي الطريق تذكر بأيام الأعياد والعطل الطويلة حيث تغص القرية الساكنة بضجيج ابنائها الصاعدين من العاصمة والعائدين من بلدان الإغتراب، لكن هذه المرة مستترين. فيخيل اليك أن أشباحاً اجتاحت القرية وعششت بين جدران كثيرة، تحمل من الذكريات الجميلة كل حنين وحب والفة.

في الزقاق الطويل المتفرع من الساحة إلى بيتي يصدمك عدم استغلال أهل الحي "البراني" لطقس الربيع المشمس "بقيلولات" و"عصرونيات" على السطيحات الخضراء. فـ"قرعة" المتة التي كانت تقطع ملل أعمالهم المنزلية وروتين يومهم الطويل، أصبحت في زمن كورونا من "المحرمات"، وإذا صودف ووجدت بجلسة عفوية، فيسبقها ويتبعها الكثير من مبررات التكسير على الذات بعبارات، "يقطع هالدني شو فيا"، "شي بيفقّع"، "متكلين على الله"، فلكل واحد "قرعته" و"بونبيجته" الخاصة. رائحة المنظفات ومياه "الجافيل" وغيرها من المركبات الكيميائية تسابق رائحة زهر الحامض والياسمين إلى انفك، وصوت "سطولة" المياه الملقوفة على الأدراج من بيت جارتنا المذعورة من كورونا، تستوطن أذنيك بدلاً من ضحكات ووقع أقدام الاولاد من مختلف الاعمار الذين اعتادوا ان يجوبوا الحي ليل نهار، بألعابهم الصبيانية والبناتية.

القادوميات القديمة المنسية على أطراف الضيعة عادت إلى الحياة. تُظلّل أصحاب الصدور المخنوقة بفيء أغصانها، وتعطي أزهارها التي عادت تتفتح بجرعة ربيعية قوية أملاً بغد أفضل. فالطبيعة الام لا تؤذي أبناءها بل على العكس. ومهما تعرّت وجرّدت من خضرتها تبقى مقاومتها ورغبتها بالعودة إلى الحياة أصلب. ونحن كذلك.