د. ميشال الشماعي

بين التمنّيات والواقع... رجاء

3 دقائق للقراءة

يسمع اللبنانيّون التطمينات الصادرة عن السلطة الحاكمة فيرتاحون؛ لكن ينظرون إلى الواقع فيهلعون. الصراع اليوم بات بين الحقيقة والتمنيات. بالطبع ما من عاقل إلا ويتمنّى الانتهاء من هذه الأزمات، وليحكم من يستطيع الوصول بحسب الأطر الديمقراطيّة، أي من يختاره الشعب، لا بقوّة وهج سلاح غير شرعي أو حلف استراتيجي إقليمي. وليخضع للرقابة من قبل المعارضة، لما هو خير للبنانيين جميعهم.

لا شكّ أن أزمة وباء كورونا قد كشفت وقائع جديدة لم تكن ملحوظة من ذي قبل. والمؤكّد أنّ الواقع السياسي سيخضع لتغيّرات بعد الانتهاء من هذه الجائحة. وما يحدث اليوم من مساعدات للبنان لا يندرج قطّ في إطار مكاسب جيواستراتيجيّة لمن يتقدّم بها، بل ينحصر ذلك في الاطار الانساني البحت. ويخطئ من يظنّ بأنّ السعي اليوم هو لإثبات موقف ما أو لتقديم طاعة ما؛ الحقيقة صعبة جدًّا والواقع والتمنيات أصعب، ومن يصبر إلى المنتهى يصل.

نعم، هي معركة صمود. يخوضها اللّبنانيّون، وللأسف كلّ يصفّق على جبهته الخاصّة؛ وهذا ما شهدناه من استغلالات سياسيّة للأزمة الحاصلة مثلا في مدينة بشرّي من قبل المحور السوري – الايراني الذي على ما يبدو أنّه فقد حتّى الحسّ الانساني. مع ذلك كلّه، ما زلنا نأمل الخير ممّن قتلوا شعوبهم لقاء الحفاظ على مكاسبهم السياسيّة التي أمّنت لهم الدّخول في نادي الثروات النّقديّة. وذلك، لأنّ قناعتنا هي في خير الانسانيّة جمعاء، أمّا هم فيبحثون عن تسجيل نقاط حتّى على حساب صحّة النّاس.

والملفت تلك الزيارة التي أجراها دولة الرّئيس لأحد المحال التّجاريّة، وما لاحظه مدهش جدًّا ويجب التوقّف عنده. لقد لاحظ الارتفاع بالأسعار. وهذه السلطة المشغولة بالأوضاع الماليّة والنّقديّة لم تأخذ بعد أي مبادرة إصلاحيّة، وتكتفي فقط بالتّصريح بأنّ العمل على قاب قوسين من إنجاز الورقة الاصلاحيّة الموعودة. لكأنّ الاصلاحات المطلوبة مجهولة! وهي باتت معروفة من القاصي والدّاني.

إلا أنّ الواقع مغاير تماماً. يرفضون البدء بهذه الاصلاحات لو على حساب الوطن. فهل هذا يعني أنّهم يعملون ليل نهار لإسقاط الهيكل؟ سؤال مشروع. لكن لحساب من؟ على ما يبدو هم غير آبهين باستمرار الدّولة، ووفق طريقة العمل التي ينتهجونها سيصلون حتماً إلى آفاق مسدودة. فلا يمكن البدء بالاصلاح مع مسايرة لـ"حزب الله" والخضوع للمحور الايراني المعروف بتموضعه الدّولي.

المطلوب اليوم ترجمة التمنيّات إلى واقع. ولعلّ أكثر من يريد هذا الواقع، هي هذه السلطة التي تلعب مع أسيادها على حافّة الهاويّة، مستغلّين جميعهم أزمة "كورونا"، ومستنفدين قواهم كلّها في خدمة أهدافهم الجيواستراتيجيّة، مغفلين أيّ ناحية إنسانيّة. وإلا ماذا يفسّر غياب الاحصاءات الحقيقيّة للإصابات بـ"كورونا" عن المناطق التي استقبلت الوافدين من الجمهوريّة الاسلاميّة في إيران؟ حتّى صحّة النّاس لم تعد من أولويّاتهم. فهل ما زالوا مقتنعين بالحرب الديموغرافيّة في زمن الثورة الرّقميّة؟

لن نكون سوداويّين. المشهد في لبنان، بعد الانتهاء من كورونا، كارثيّ إذا لم يتمّ اعتماد المعالجات التي مللنا من سردها. ما عسانا إلا الانتظار مع خبرتنا المسهبة بخططهم وبطرق عملهم التي لم تعد تنفع. وهذه وحدها كوّة الرّجاء الموجودة في حائط تعنّتهم وفسادهم. فهل تتحوّل التمنيات إلى وقائع ملموسة؟