سناء الجاك

زورونا تجدوا ما يسرّكم!

3 دقائق للقراءة

وكأنّ قرف السياسة والاقتصاد لا يكفي ليزيد من أتون الحياة في لبنان. وكأنّ التوتر على الحدود الجنوبية والتلويح بزجّ اللبنانيين في حرب مع إسرائيل بغية ترهيبهم وإرغامهم على الرضوخ لإملاءات الحزب الحاكم بأمره، تفصيلٌ عابر في إطار لعبة شدّ الأصابع المستمرّة لمصادرة قرار البلد وتثبيت احتلاله. وكأنّ رعب فلتان الوضع المالي أكثر فأكثر مع الإبداع والتعجيز المرافقين لنهاية ولاية حاكم مصرف لبنان رياض سلامة والخزعبلات المكشوفة لنوّابه ومراجعهم الطائفية حتى يتمّ التجديد للحاكم أو بئس المصير، حلقة من حلقات مسلسل تركي للمتابعة والتسلية.

فإضافة إلى كل ذلك وأكثر، وبسبب كل ذلك وأكثر، يعايش اللبنانيون ألواناً من الرعب، ويواصلون تجرُّع كؤوس السمّ الكفيلة بتحطيم أي إرادة للوجود والاستمرار والصمود للبقاء في لبنان... وبالحدّ الأدنى للحياة... ويعاينون شيئاً ما في نسيج فئات واسعة من اللبنانيين بات يعكس أمراضاً تصل إلى الجريمة، تتغذّى بغرائزية لا يلجمها أي مفهوم للأخلاق والضمير، مستهترة وفالتة على غاربها، لا يقمعها احتمال العقاب... ما يجعل أي عاقل مقتدر يحزم حقائبه ويحمل أولاده ويبحث عن مكان طبيعي للعيش. لا يهم أين وكيف وبأي مقوّمات. المهم الهروب ممّا لا يمكن تحمّله أو تخيّله.

وإلا كيف يمكن قراءة الكوابيس التي ترافق الحياة اليومية، مع اغتصاب عائلي للطفلة لين طالب حتى الموت؟ ومع العثور على كلب يجرّ طفلة حديثة الولادة في طرابلس، ومن ثم على طفلين حديثَي الولادة داخل علبة كرتون تحت جسر نهر إبراهيم؟ ومع حضانة أطفال توظّف من يتفوّقن على الوحوش في ضرب الأطفال وببرودة أعصاب تفوق كل ما يمكن مشاهدته في أفلام الرعب؟

ولعلّ ما خفي ولم يجد طريقه إلى الإعلان والإعلام قد يكون أعظم وأفظع... ما يدفع إلى التساؤل إن كان حل الأزمة المالية والمعيشية يملك مواصفات فتح مسار العودة إلى الحياة الطبيعية إلى لبنان... وما يطرح علامات استفهام تتعلّق بأي توجه أو نية لمعالجة مثل هذه الجرائم التي لا يستحقّ مرتكبوها أي رحمة أو تساهل.

ولعلّ هذه البلادة الاجتماعية في تقبل هذه الجرائم هي ما يخيف من يفكّر بالتداعيات والعواقب التي ستنتج عنها. أو أنّ المطلوب هو هذا الانهيار إلى مراتب متقدمة من جحيم يفوق كل ما ورد في أساطير الميثولوجيا، والدعوة إلى التظاهر اعتراضاً على حرق القرآن الكريم، مع أنّ ممارسات الدعاة والمدعوين تحرق مفهوم الدين والإيمان وتنتهك الإنسانية والطفولة والحياة بمفاهيمها السامية كما تريدها القيم الأخلاقية ويريدها الخالق عزّ وجلّ للإنسان.

أو من الآخر... لا بأس ببعض التسلية مع متابعة فصول اللغة السوقية الإعلامية مع أصحاب الملكية الفكرية لتعبير «الصرماية»، وصولاً إلى التشابك بالأيدي والقدح والذم والاعتداء من قبل المرافقين الذين يكتظ بهم الاستوديو على الزميل سيمون أبو فاضل.

ولا لزوم لشغل البال وكل هذه السوداوية، فنأخذ الأمور كما هي، ونتابع التناقضات الفاقعة لثقلٍ ليس مفروضاً أن يُحتمل، كما أوردته إحدى نشرات الأخبار التي بدأت بتقرير عن ازدهار السياحة بسبب انخفاض قيمة العملة الوطنية قياساً إلى الدولار، ألحقته بتقرير آخر عن أن تكاليف ركن السيارات في الأماكن السياحية في مدينة البترون قد تصل إلى مليون ليرة، وتستتبعه بتقرير ثالث عن فيضان المجارير التي تحوّلت مستنقعات آسنة تغمر أزقّة منطقة السان سيمون وانقطاع المياه المزمن فيها، ومطالبة ساكنيها غير الشرعيين البلدية بمساواتهم مع سكان غير شرعيين في مناطق أخرى وتأمين احتياجاتهم من ماء وكهرباء وبنى تحتية...

وزورونا تجدوا ما يسرّكم!