على الصعيد المهني، يظهر انشغال بوسمولر بوباء "كوفيد - 19" على شكل تشريح لجثث ضحايا الفيروس. يقول بوسمولر (60 عاماً) الذي يعمل في معهد الأمراض واضطرابات الأعصاب في جامعة "توبينغن": "أنا مهتم جداً بالمرض لأنني أصبتُ به شخصياً. كما أنني محصّن ضد فيروس كورونا، وهو أثر جانبي لطيف". حتى الآن، شرّح هذا الأخير جثث خمسة أشخاص توفوا بسبب الفيروس.
يأمل علماء الأمراض في اكتشاف أجوبة أولية على عدد من أهم الأسئلة المطروحة راهناً خلال أربعة أسابيع: لماذا لا يواجه هذا الكم من المصابين أي أعراض؟ ولماذا يصاب آخرون بأمراض خطيرة؟ ما هو الإطار الزمني للمرض؟ وبالإضافة إلى الرئتين، ما هي الأعضاء المتضررة؟ وأي علاجات وتدابير وقائية هي الأفضل في هذا المجال؟
ألغاز الوباء
أدرك علماء الأمراض في سويسرا منذ مرحلة مبكرة أهمية تشريح جثث الضحايا للكشف عن ألغاز هذا الوباء. داخل مدينة "بازل" وفي محيطها، أجرى هؤلاء أكثر من 20 عملية تشريح لجثث مصابين بفيروس "كوفيد - 19". لكن في ألمانيا، أصدر "معهد روبرت كوش" الرائد في مجال الصحة العامة تحذيراً أولياً من هذه العمليات، فحذر في 24 آذار من احتمال أن تنقل الجثث العدوى.
كان كلاوس بوشيل (68 عاماً) من بين من تجاهلوا تلك التوصيات منذ البداية. هو يرأس قسم الطب الشرعي في مركز الطب الجامعي "هامبورغ إيبندورف" منذ ثلاثين سنة تقريباً. سبق وشرّح جثث مصابين بفيروس نقص المناعة البشرية قبل توسّع المعلومات عن مرض الإيدز.
يقول بوشيل: "يعلّمنا الأموات دروساً قيّمة عن الحياة"! لقد أدرك منذ البداية ضرورة تشريح جثث ضحايا "كوفيد - 19" ووافقت السلطات في "هامبورغ" على هذا الإجراء، على أن يشمل جثث المشتبه بإصابتهم بفيروس كورونا الجديد أيضاً. حتى اليوم، أقدم بوشيل وفريقه المؤلف من 14 عضواً على تشريح حوالى مئة جثة.
لا أعراض ملموسة
حين كان المرضى على قيد الحياة، حمل كل واحد منهم عدداً هائلاً من الفيروسات داخل جسمه، على غرار جميع الناس. تحتوي الأمعاء وحدها على مليار فيروس تقريباً. تكثر الفيروسات أيضاً في المسالك التنفسية. شملت إحدى الدراسات 26 أسرة في "يوتا" واكتشفت أن الراشدين يصابون بما معدله ستة التهابات تنفسية فيروسية سنوياً، ولا يترافق عدد كبير منها مع أي أعراض. لا تكون هذه الفيروسات قاتلة بأي شكل، بل إنها آفات مفيدة لتدريب جهاز المناعة البشري. اليوم، أضيف فيروس كورونا الجديد إلى هذه المجموعات، وهو يطرح تحدياً صعباً على جهاز المناعة لكنه ليس مميتاً في الحالات العادية. لا يواجه الكثيرون أي أعراض (تصل نسبتهم إلى 80% وفق "المجلة الطبية البريطانية"). وكشفت نتائج مركز "هامبورغ" الطبي حديثاً أن جزءاً كبيراً من المصابين يحمل الفيروس من دون علمه. تخضع المجموعات التي تموت بطريقة عنيفة أو تنتحر لاختبارات روتينية. يقول بوشيل: "في بعض الحالات، توفي الناس في منازلهم من دون أن يعرف أحد بأنهم يحملون فيروس كورونا".
على غرار علماء آخرين، يظن بوشيل أن الدفاعات الطبيعية داخل الجسم تكون مسؤولة بدرجة كبيرة عن الحالات التي تخلو من الأعراض. جهاز المناعة هو أفضل دواء على الإطلاق برأيه!
هذا ما حصل مع عالِم الأمراض بوسمولر. بما أنه يتبنى أسلوب حياة صحي ويمارس الرياضة بوتيرة مكثفة، لم يجد جهاز مناعته صعوبة في هزم الفيروس. لحسن الحظ، قبع هذا الأخير في غرفة عازلة في عيادته إلى أن تعافى، لذا لم ينقل العدوى إلى أي شخص آخر.
في المقابل، يكون الناس أكثر ضعفاً بكثير أمام الفيروس إذا كان أسلوب حياتهم شائباً، وفق نتائج تشريح الجثث في منطقة "بازل". شرّح علماء الأمراض هناك جثث 21 ضحية بلغ متوسط عمرهم 76 عاماً، علماً أن أعمارهم جميعاً تراوحت بين 53 و96 عاماً.
لم يكن أي منهم يتمتع بصحة جيدة حين التقط الفيروس. يقول ألكسندر تزانكوف، خبير في علم الأمراض من جامعة "بازل": "كان المرضى في جميع الحالات مصابين بمشاكل صحية سابقة وتعرّض معظمهم لأمراض عدة". اكتشف هذا الطبيب عدداً من الأمراض التي أصابتهم، منها ارتفاع ضغط الدم، وحالات متقدمة من تصلب الشرايين، وتضخم القلب، والبدانة، والسكري. كان الخلل الحاد في الأوعية الدموية عاملاً مشتركاً بينهم جميعاً.

تداعيات الأمراض السابقة
حتى الآن، تكشف النتائج غير المعلنة لتجارب مركز "هامبورغ" الطبي عن نمط متشابه. حتى فترة بعد الظهر من يوم الأربعاء الماضي، شرّح بوشيل وفريقه جثث 95 مصاباً بفيروس "كوفيد - 19" (55 رجلاً و40 امرأة بلغ متوسط عمرهم 80.2 عاماً، وتراوحت أعمارهم بين 51 و99 عاماً). كان متوسط عمر الرجال 79، والنساء 81.8.
اكتشف الأطباء هذه المرة أيضاً "مشاكل صحية سابقة ومتعددة" في كل حالة من هذه الحالات. كان سبب الوفاة يرتبط عموماً بالتهاب الجهاز التنفسي أو التهاب الرئة أو الانسداد الرئوي أو خليط من هذه الاضطرابات الثلاثة كلها. وكانت معظم المشاكل الصحية القائمة ترتبط بجهاز القلب والأوعية الدموية أو الرئتين.
تطرح هذه الاستنتاجات أدلة واضحة مفادها أن المصابين بأمراض متعددة يكونون أكثر عرضة بكثير للفيروس. يضيف بوشيل: "في الأساس، لا يطرح "كوفيد - 19" مشكلة لدى الأولاد أو الناس الطبيعيين والأصحاء. العمر بحد ذاته ليس مرضاً. يكون كبار السن أكثر عرضة للأمراض، لكنّ مفعول المشاكل الصحية القائمة أصلاً هو العامل المؤثر الحقيقي. لقد لاحظنا أن تدابير العناية المشددة تزداد صعوبة مع البدينين. وعند الإصابة بمرض رئوي مزمن، يكون المدخنون الأكثر عرضة للخطر. تراوحت أعمار بعض ضحايا الفيروس بين الخمسين والستين عاماً. لم يكن هؤلاء رياضيين وأصحاء، بل من أصحاب الوزن الزائد. كانوا مصابين أيضاً بتصلب الشرايين، وهو خلل شائع لدى البدينين".
هذه اللائحة الطويلة من الأمراض القائمة تشكك بمسؤولية فيروس "كوفيد - 19" عن وفاة عدد كبير من الناس. تعليقاً على الموضوع، يقول بوشيل: "لا يمكنني التأكيد على ذلك طبعاً، لأن الشخص الذي يحمل هذه المواصفات قد يموت لأسباب أخرى خلال ثلاثة أسابيع أو ثلاثة أشهر أو ثلاث سنوات. كل ما أستطيع قوله هو أن هؤلاء الأفراد كانوا مصابين أصلاً بأمراض خطيرة وكان متوسط أعمارهم المتوقع محدوداً".
هل يجب أن نعتاد على "كوفيد - 19"؟
تواجه فئات واسعة من سكان العالم هذه المشكلة. يقول تزانكوف، عالِم الأمراض من جامعة "بازل": "يمكن رصد حجم المخاطر التي يتقاسمها المعرّضون للأمراض الحادة أو الوفاة بسبب عدوى "كوفيد - 19" لدى ربع سكان أوروبا الوسطى على الأقل. يرتفع هذا العدد بنسبة الضعف تقريباً في الفئات العمرية المتقدمة، ثم بدرجات إضافية لدى نصف الناس بعد عمر الخامسة والثمانين". مقارنةً بالأشخاص الأصحاء في العمر نفسه، يتراجع متوسط العمر المتوقع قليلاً لدى المصابين أصلاً بأمراض أخرى، حتى لو تلقوا العلاجات المناسبة وتميزوا بالانضباط الذاتي. يأتي فيروس "كوفيد - 19" ليضخّم ذلك الأثر.لكن كيف نستطيع حماية أكثر الناس عرضة للوباء؟ هل يجب أن نعزلهم جميعاً حتى اختراع لقاح للفيروس؟
يظن بوشيل أن المدارس يجب أن تفتح أبوابها مجدداً وأن الناس يجب أن يعودوا إلى أعمالهم: "أنا شخصياً متقدم في السن، ومع ذلك أرفض التدابير التي تمنعني من التواصل مع الآخرين بطريقة مباشرة. أريد أن ألعب مع أحفادي"!
نجحت القواعد المفروضة في ألمانيا للحد من التواصل الاجتماعي بين الناس في إبقاء حصيلة وفيات فيروس كورونا منخفضة نسبياً. لكن يظن بوشيل أن إصابات "كوفيد - 19" لن تظهر في الإحصاءات السنوية ويتوقع أن تطمس التقلبات السنوية الطبيعية العدد الإجمالي للوفيات. مثلما اعتدنا على الإنفلونزا الموسمية، يجب أن نعتاد على فيروس "كوفيد - 19" أيضاً بحسب رأيه.لكن حتى لو كانت ردة الفعل على الفيروس مبالغاً فيها كما يظن بوشيل، إلا أنه يعجز عن التهرب منه. كُتِبت عبارة "مقر كورونا" على باب بالقرب من مكتبه، إذ يحاول طلبة دكتوراه أصغر سناً اكتشاف مدة صمود الفيروس على الجثث أو طريقة انتشاره بين المشردين في "هامبورغ". كذلك، يتلقى بوشيل رسائل من العلماء يومياً طلباً لأنسجة من الرئة والقلب والعضلات والدماغ. وبالإضافة إلى الرئتين، يبدو أن الفيروس يهاجم أعضاءً أخرى أيضاً. يحاول الباحثون تحديد مدى قدرة الفيروس على اختراق تلك الأعضاء وحده أو ارتباط الأضرار بردة فعل مبالغ فيها من جهاز المناعة.
ينوي بوشيل تدوين الحالات التي يعاينها في السجل الجديد الذي حضّره خبراء ألمان في علم الأمراض. قام زملاؤه في عيادات جامعية أخرى بثلاثين عملية تشريح فقط حتى منتصف شهر نيسان، لكنهم يريدون الآن أن يرفعوا هذا العدد ويطرحوا بياناتهم الخاصة.
من المتوقع أن يرحّب الباحثون في "هامبورغ" بهذه المبادرة. في النهاية، يقول بوشيل: "لقد ظهر كورونا قبل أن أصبح مستعداً لمواجهته"! هو ينظر إلى الفوضى المحيطة به في مكتبه ويقول إنه يخطط لتنظيف المكان قريباً. لقد قرر أن يتقاعد في أواخر أيلول المقبل...