في المفاوضات التي بدأت بين لبنان وصندوق النقد الدولي شيء سوريالي - عبثي، وشيء واقعي - افتراضي. اما المشهد في البلد وراء المفاوض اللبناني، فانه تراجيدي. واما صندوق النقد الذي ليس فوق النقد، ولا برنامجه وصفة مؤكدة بالتجارب حتى للخروج القاسي على الشعب من الأزمات، فان تغيير سياساته فوق قدرة لبنان والبلدان الاكبر منه. والباقي في المشهد كوميدي، حيث المفلس يضع شروطاً على صاحب المال.
الجانب السوريالي - العبثي يتجلى في ثلاث صور.
الاولى، ان المفاوض اللبناني مفوض من مجلس الوزراء، لا من صاحب السلطة "حزب الله" الذي أعلن أمينه العام السيد حسن نصر الله انه لم يفوّض احداً.
والثانية، انه لا يفاوض من موقف واضح. فالمسماة "خطة التعافي" قائمة على نوع من " الالتباس" بين الخروج على النظام الاقتصادي الحر واللاخروج وملامح النظام الهجين المقترح. وهذه حيلة تقليدية لوضع الخلافات داخل السلطة تحت السجادة.
والثالثة، ان الانقلاب المفترض على النظام الاقتصادي الحر ليس على يد اليسار بل على يد اليمين المحافظ الرأسمالي. ففي الخطة شيء من "تأميم" الثروات والابتعاد من الخصخصة وسط "خصخصة" الدفاع. في حين يحرص الصندوق على الخصخصة ويحرس النظام الاقتصادي الليبرالي وحتى النيوليبرالي. شيء يذكّر بالعربة التي يقودها حصانان كل منهما في اتجاه.
والجانب الواقعي - الافتراضي تختصره ثلاثة أمور. اولها ان تسكير الحسابات الدفترية او ما يسمى " تصفير" الديون لإرضاء الصندوق هو خطوة في الهواء من دون أرض اقتصادية. فأي سياسة نقدية ومالية، ان لم تكن في خدمة النمو الاقتصادي وتعبيراً عنه، تبدو إعلان " تفليسة" والمطلوب تشجيع الاستثمارات وإنقاذ الاقتصاد، لا قتله. وثانيها ان الارقام في "الخطة" موضع تدقيق لانها محاكاة حسابية عبر الكمبيوتر، وكل ما يتعلق بالنهوض الاقتصادي هو عناوين بلا مشاريع عملية ولا تمويل. وثالثها ان الوفد المفوض يفتقر الى اوراق القوة التفاوضية التي لا بد منها مهما يكن المفاوضون بارعين وأصحاب خبرة. فلا اصلاحات ملموسة سلفاً تساهم في استعادة الثقة. ولا الخوف من وقوع لبنان في الفوضى يكفي. ولا استعادة السيادة التي يطلبها منا ولنا العرب والغرب هي على جدول الاعمال في بلد التسويات الذي صار جبهة امامية في "محور الممانعة" المضغوط بالعقوبات الاميركية وأسير صراع المحاور.
الورطة اكبر من النافذين الذين قادونا اليها وسطوا على الخزينة. والمسألة أبعد من الحصول الصعب على 10 مليارات دولار من صندوق النقد الدولي.