يختلف اللبنانيون، على الصغيرة والكبيرة، من أصل التكوين إلى هوية لبنان، وصولاً إلى إطلالات منال عبد الصمد، لكنهم متفقون بتنوّع مشاربهم وانتماءاتهم وطبقاتهم على أهمية يوم الأحد في روزنامة الأسبوع، في سنين العز كما في سنين الجدب والمجذوب، في زمن البحبوحة كما في زمن المَحل. قد تتبدل الأسياخ على الباربكيو، من كستيلاتة غنم أو فيليه بقر باب أول أو نقانق إلى أفخاذ دجاج تجاور شرحات كوسى وجزر وبطاطا. يأكل الفقير بطاطا مشوية في بيته ويتلذذ بتنشّق دخان لحم الضأن من بلكون جاره في القاطع الثاني.
للأحد متعته، وروحانيته، وطقوسه، على الرغم من كل شيء. لا كورونا. لا إنفلونزا الخنازير. لا جنون البقر. لا السلمونيلا. ولا أي جائحة ولا أي مرض ولا أي طاعون يمنع اللبناني من تبديل عاداته. يرفع الكمامة عن فمه. يشرق نفس أركيلة، نفسين....عشرة. يسعل كهرّ عجوز. يعيد الكمامة إلى وجهه إلتزاما بتعليمات دكتور حمد. ولا ما يحول بين اللبناني "الهِرش" واللبنانية الهيفاء دون التمتع برياضة البرونزاج أو السباحة في أحواض تبلغ فيها معدلات الكلور نسباً تقتل فيه البكتيريا وسليلتها.
والمصرّ على النزول إلى البحر، يدهن جسمه بمزيج من الكلور وماء الجافيل والكاز. يا أخي لا يطيق رائحة الكلور في "البيسين".
ويوم الأحد ينام اللبناني ملْء جفونه عن شواردها. ينام كالدب، والعاطل عن العمل كما العامل يشكر ربه: خي اليوم ما في شغل. لا شغل ولا مدرسة.
أما في هذا الشهر الفضيل، فتمضي النسوة يوم الأحد على شاشة التلفزيون، لاستعادة ما فاتهن من حلقات "أولاد آدم" و"النحات" و"الهيبة" (خاص تلفزيون لبنان) غير عابئات بأكوام الجلي وباستنكاف ميلوكا عن القيام بمهامها على التسعيرة اللبنانية ولا مهتمات بتوجيهات صاحبة السمو الملكي الدكتور نوّار دياب.
الأحد مرادف للتنبلة بالنسبة إلى الأكثرية الساحقة من اللبنانيين. ويشكل هواة الركض و"البايك" وتسلق القمم والـ "هايكينغ" فئة ضالة من الشعب العظيم العنيد.
ومن متع الأحد المسائية التي نفتقدها اليوم، إستقبالات عصام فارس في دارته في بينو التي كانت تستهلك ثلث نشرة الأخبار بالإضافة إلى استقبالات أمير خلدة، ونشاط نائبة رئيسة مؤسسة الوليد بن طلال الخيرية معالي الوزيرة ليلى الصلح حمادة.
ومن متع الأحد في العصر الحديث، تلك الإطلالات المشوّقة لفيلسوف اللقلوق، ولي عهد الجمهورية، وخلفه مكتبة عامرة من عيون الفكر السياسي والشعر والإقتصاد وكتب البارابسيكولوجيا. صار يعرف مثلنا أهمية الأحد. يفلش طرحية ورق أمامه ويروي للبسطاء مثلنا بكثير من الإعتداد بالنفس والمعرفة والطهرانية (غير المتوافرة سوى في "طيّاره") ما كان يجب أن يحصل ولم يحصل...لا تسألوا" لماذا؟" كي لا تسمعوا لازمة "عرقلونا وما خلّونا". جبران متعة الأحد.