لم يكن اللواء عصام أبو جمرا عل علم بالتفاهم الذي حصل بين العماد ميشال عون وجماعة نظام الوصاية السورية لتأمين عودته. هذا التفاهم كان بدأ قبل 13 تشرين على الجبهات العسكرية التي فتحت لمساعدة عون، وتظهر أكثر مع وصول عون إلى بيروت في 7 أيّار 2005. منذ ذلك التاريخ بدأ المؤسّسون في التيار يلاحظون الأهمية التي يعطيها عون لصهره جبران باسيل والتي أرفقها بعملية تشحيل لتأمين وصوله إلى رئاسة التيار. عام 2006 تقدم المحامي لوسيان عون باستقالته من التيار، وكان معارضًا للتفاهم مع "حزب الله"، وهو يتابع روايته عن العلاقة بين عون وأبو جمرا وعن مرحلة التأسيس في هذه الحلقة الثالثة من "نداء السنين".
وقت عودة العماد عون إلى لبنان في 7 أيار 2005 حصل إشكال أيضًا بينه وبين اللواء أبو جمرا؟ كان الجو باردًا بينهما؟
ما كان عم يحكيه وقتها لعدة أسباب سياسية ومادية.
مثلا؟
ما كان عم يحكيه.
كان بدأ الخلاف قبل العودة؟
أكيد. الخلاف كان لا يزال على صوت واطي. لم يكن يظهر إلى العلن. كانت الظروف لا تزال ضاغطة عليهما. قرارات كثيرة لم يكن يوافق عليها اللواء أبو جمرا ولكنّه كان مضطرًّا لتنفيذها كأي عنصر في المؤسّسة العسكرية. بدّك تنفّذ القرار.
ماذا حصل على طائرة العودة؟
ما كان عم يحكي معه. حتى أنّه لم يشارك في جزء من التهاني بعد الوصول. طلعوا الأحزاب والشخصيات والأفراد وأول كم يوم لم يشارك اللواء أبو جمرا. انتبه الناس وتساءلوا ليش اللواء مش موجود؟ كان مشمئزًّا من عدّة أمور وبقي على مضض حتى انفجر الخلاف مع تشكيل أوّل حكومة للرئيس سعد الحريري.
كنتم في جو الإتفاق لتأمين عودته الذي حصل بينه وبين الرئيس إميل لحود وكان يقضي بتأمين عودته مقابل تعهّدات سياسية من قبله مقابل إلغاء الإتهامات الموجهة ضدّه وإقفال ملفّه القضائي؟
في هذه العملية كان اللواء أبو جمرا الرقم 2 في التيار وما كان معه خبر إلا بالقليل من هذه المواضيع. وهذا كان أحد أسباب الخلاف مع العماد عون. كل يوم كنت أحكي مع العماد عون من خلال المكتب الإعلامي. مرّة عند الساعة 7 أو 8 مساء سألني: إحزر من كان عندي هون؟ قلت له: من؟ قال: ضباط سوريون.
في فرنسا؟
في فرنسا. مطلع 2005. بعد ذلك قال لي إنّه كان استقبل إميل لحود (جونيور) و (المحامي) كريم بقرادوني. قلت ممكن أن تكون هناك مباحثات بين فريقين ولكن لم أُقدِّر أنّه يمكن أن تكون على حساب المبادئ. وهذا ما لمسناه لاحقًا.
مثلا؟
بعد الـ 2005 كنت في قلب التيار. حضّرنا للعودة. جهّزنا وبقينا شهرين ونصف في الـ "كوينز بلازا" وبيت العماد عون في الرابية نعمل إجتماعات ليل نهار تحضيرًا لهذه المناسبة. الإعلام والصحافة والترتيبات. كان البرنامج أن يستقبله أركان لقاء قرنة شهوان عند ضريح الرئيس رفيق الحريري. كان ينتظر فارس سعيد ونايلة معوض ودوري شمعون... وصل الموكب وكان على أساس عندما يصل يزور ضريح الرئيس الحريري يصلّي ويخرج . فات وصار الأمنيون المرافقون يدفّشوا الشخصيات الذين كانوا ينتظرون وصوله منذ ساعتين تحت الشمس. كنت أنا وطوني مخيبر الوحيدين اللذين يمكننا أن نجتاز السياج وندخل على الضريح. فتنا. ذُهِلت من هذا المشهد. على أساس أتوا ليسلّموا عليه ويهنّئوه بالسلامة. فات لجوّا. فاتوا الأمنيين وصاروا يدفّشوا. قلت عندما يخرج بيمشي الحال. ولكن عندما خرج استمر التدفيش. لم يسلّم عليهم. كان معصّبًا وطلع على المنصّة. هذا المشهد أوحى إلي أنّه بدأ يدفع الفواتير. مطلوب منه أن يبدأ بمعاداة قرنة شهوان والتقرّب من "حزب الله" وحركة "أمل" والقوميين. هذا الأمر تجلّى أيضًا في الإستقبالات في الرابية. طلع لعنده دوري شمعون ليزوره ويهنّئه وطلب منه تخصيص مقعد نيابي له. كان جوابه: ليش إنتو حزب "الأحرار" كم واحد بتعدّوا ليكون لكم نائب في المنطقة؟ انصدم دوري شمعون وقال لاحقًا إنّه شعر كأنّه طُعن بسكّين. قال: كل هذه الجهود، أين دمّ داني شمعون؟ ما بيقدر يخصّصلو مقعد؟ وكان عارفًا أنّ هناك 8 مقاعد بين كسروان وجبيل اكتسحهم واستكتر مقعدًا لـ "الأحرار". كان مطلوبًا منه ترتيبات معيَّنة يتّفق عليها مع السوريين لينفّذوا الأجندة السياسية. من ضمنها "حزب الأحرار" أكِّس عليه. من وقتها بدأت المرارة بصفوف الحزبيين.
في هذه المرحلة حصل تطوران. عملتم لتأسيس "التيار" رسميًّا وبدأ يبرز إسم صهره جبران باسيل. كيف بدأ يبرز إسمه كشخص بدأ يتبوّأ مراكز جديدة في "التيار" ويلعب دورًا أساسيًّا وكيف كنتم تؤسّسون "التيار"؟
كانت هناك قوة فاعلة متمثّلة بالمؤسّسين. بعد عودة الجنرال اقترحوا عليه أن تحصل عملية كودرة للمؤسّسين تكون هيئة إدارية أو جمعية عمومية وتأسيس حزب. كنّا نتداول في هذا الأمر وكان بدأ يلمع دور جبران باسيل. لاحظنا أنّ العماد عون بدأ يعطيه صلاحيات كبيرة ولذلك بدأ النفور بينه وبين المؤسّسين. لاحظنا أنّه يريد أن يبدأ التشحيل وإبعاد القيادات الفاعلة ومن أبرزها أقرباؤه، ولاد خيّو وإبن أختو. ألان عون بقي صامدًا إلى الآخر ولكنّه كان يشعر بمرارة حتى انفجرت العلاقة ووصل إلى الحقيقة المرّة. كنت قدّمت استقالتي عام 2006 لعدّة أسباب. شعرت أنّه صار هناك وليّ للعهد سيسلّمه مقاليد السلطة ويحضّره لذلك من طريقة دخوله، وفي خلال الإجتماعات، وطريقة تصرفاته، وتقطيش الرؤوس لتسهيل وصوله. كنّا مجموعة مؤسّسين نحو 125 شخصًا.
كم خرج منهم؟
أكثر من 80. بعض من بقيوا مثل ناجي حايك يعارض ولكنّه يتقبَّل الوضع. أشعر أنّه سيترك.
أنت قرّرت أن تستقيل؟
نعم. تقدّمت باستقالتي وأرسلتها إلى العماد عون. أرسل ورائي. قال لي: بدّي شوفك؟ إذا أنت بتفلّ من بيت عون من سيبقى؟ طلعت لعنده في اليوم التالي وقابلته. قلت له: صار في ناس فاسدين بالتيار عم يضربوا التيار من جوّا. وإذا بيضل الوضع هيك ما رح يضل في تيار. قال لي: لا، إنتظر هذين الأسبوعين سأعمل حملة تنظيف تعجبكم. قلت من انتظر دهرًا ينتظر أسبوعين. أتت حرب تموز 2006 بعد الجمعية العمومية التي عقدناها في حزيران في "الرمال" واصطدمنا معه بسبب موضوع جبران باسيل. كانت تفاقمت القصة. كنّا كجمعية عمومية نلتقي في الـ "غيست هاوس". أول ما كان يصل العماد عون كان يقول لنا شو بكم دابكينها إنتو وجبران؟ لم نكن نتقبّل هذا الأمر. الشكاوى كانت تستمر بينما هو كان مقرّرًا أن يسلِّم جبران السلطة واستطاع أن ينفذ هذا الأمر ولم نستطع أن نمنع هذه الرغبة. كنّا تيار مقابل التيار، وجبران يجرف التيار إلى الوضع الذي وصلوا إليه. تخبّط في المواقف السياسية، لا تعرف إذا كان متحالفًا مع "حزب الله" أم غير متحالف.
كان لديكم موقف من التحالف مع "حزب الله" عام 2006؟
كنت ضدّ هذا التحالف. رأيت أنّه سينعكس سلبًا على مستقبل التيار. لاحظت أمورًا معيّنة. نزلنا في تظاهرة إلى الضاحية قبل 13 تشرين استغربت كيف أنّهم لن يطلقوا النار علينا وأنّنا لن نشتبك معهم. مرّت بسلام. تظاهرة صارت في عاريا لجهة الإشتراكيين. حصلت تفاهمات تحت الطاولة ومنها، طْلَعوا عبّوا بنزين من الخنشارة في المتن. كيف بدّنا نعبّي بنزين بيطحنونا؟ قالوا: لأ. متفاهمين عليها. طلعنا بدّنا بنزين.
لقراءة الجزء الأول من الحوار
لقراءة الجزء الثاني من الحوار
يتبع الجمعة 22 أيار 2026
المحامي لوسيان عون يروي (4من4)
هكذا انفجر الخلاف بين عون وأبو جمرا
استقلت من حزب تحوّل إلى شركة تجارية