بول هوكينوس

بولندا تحلم بالانتقال إلى عصر الطاقة النووية

19 تشرين الأول 2023

المصدر: Foreign Policy

02 : 00

محطة كهرباء بيلتشاتوف في روغوفيك | بولندا, 23 شباط 2021

قد تتغيّر ظروف كثيرة في بولندا الآن وقد أصبح «الائتلاف المدني» (أكبر مجموعة ليبرالية من الأحزاب في البلد) مخوّلاً تشكيل الحكومة المقبلة. في المسائل التي تتراوح بين الاتحاد الأوروبي وحقوق المرأة، تبدو الاختلافات مع الحكومة المحافِظة عميقة. لكن اتّضحت على الأقل نقطة مشتركة واحدة في السياسة المحلية: السعي للتحوّل إلى قوة قائمة على الطاقة النووية.



عبّر معظم البولنديين عن فخرهم بتوجّه بلدهم لاستعمال الطاقة النووية على أوسع نطاق. لكن هل تُعتبر هذه الخطط منطقية فعلاً؟

يعتبر الكثيرون هذا التوجّه النووي سياسة مناخية مؤجّلة بعد سنوات من الإهمال. يتّكل 80% من نظام الطاقة في بولندا على الوقود الأحفوري، وهي أعلى نسبة في الاتحاد الأوروبي. عند عبور الحدود الألمانية البولندية بالقطار، يسهل أن نلاحظ مجموعة متقطعة من توربينات الرياح ومصفوفات الألواح الشمسية على الجانب البولندي من نهر «أودر»، ما يتعارض بشدة مع المشهد الألماني حيث تنتشر مجمّعات ضخمة للطاقة النظيفة بشكلٍ متلاحق. لكن لم تعد بولندا تنكر أو تتجاهل الأزمة المناخية، بل إنها تظن أنها تملك الحل.

أعلنت الحكومة المحافِظة حديثاً عن خطط لبناء ثمانية مفاعلات نووية تقليدية كاملة في ثلاثة مواقع، بالإضافة إلى مئة مفاعل معياري صغير خلال السنوات المقبلة. بدأت التحضيرات التي تُمهّد لبناء مفاعل ماء مضغوط متقدم، وهو أول محطة للطاقة النووية على الأراضي البولندية. في شهر أيلول، تعاقدت واحدة من المنشآت البولندية المملوكة للدولة مع الشركتَين الأميركيتَين Westinghouse Electric وBechtel لتطوير مفاعل ماء مضغوط من نوع AP1000، ويُفترض أن يبدأ بإنتاج الطاقة خلال عشر سنوات فقط. تصل كلفته إلى 20 مليون دولار، ويتابع سعره التصاعد مع مرور الوقت.

تعليقاً على الموضوع، صرّح نائب وزير المناخ والبيئة البولندي، آدم غيبورغ تشيتفيرتنسكي، لصحيفة «فورين بوليسي»: «سيقوم نظام طاقتنا مستقبلاً على ركيزتَين: مصادر الطاقة المتجددة والطاقة النووية».

في ما يخص مصادر الطاقة المتجددة، حقّقت بولندا أخيراً بعض التقدم: وفق معطيات «منتدى الطاقة» في وارسو، سمح خليط من التقنيات الخضراء بتأمين 21% من إمدادات الطاقة في العام 2022. تزامن هذا التقدّم البسيط والواضح مع ازدهار لافت في تركيب الألواح الشمسية على السطوح طوال ثلاث سنوات، بدعمٍ من الحكومة. اليوم، يشمل منزل واحد من كل أربعة في بولندا ألواحاً كهروضوئية على السطوح، وكان عدد إضافي ليركّبها لو لم تقم الحكومة بإلغاء برنامج الدعم في العام 2022.

يتّضح اهتمام الناس بالطاقة النظيفة عبر تهافت المستهلكين عليها في بولندا، حيث كانت الحكومة المحافِظة القائمة منذ فترة طويلة تعتبر مصادر الطاقة المتجددة مكلفة وغير موثوق بها. تكشف استطلاعات الرأي أن 60% من البولنديين تقريباً يعتبرون الاحتباس الحراري ظاهرة من صنع البشر ويفهمون أهمية السياسة المناخية. يتعهّد «الائتلاف المدني»، الذي يشمل قادة محتملين للحكومة المقبلة، باستبدال الفحم كمصدر أساسي للكهرباء في بولندا بحلول نهاية هذا العقد والتحوّل إلى الرياح والطاقة الشمسية والنووية. لكن لم يتضح بعد مدى استعدادهم لتسريع مرحلة الاستغناء عن الفحم تدريجياً، وهي عملية من المنتظر إتمامها بحلول العام 2049 (إنها مهلة نهائية متأخرة جداً وقد تنسف الأهداف المناخية التي حدّدها الاتحاد الأوروبي إذا أصرّ المعنيون عليها، حتى أنها قد تسيء إلى الاقتصاد البولندي على الأرجح نظراً إلى تصاعد أسعار الكربون بدرجة غير مسبوقة).

تتعارض ثورة البولنديين المصغّرة في مجال استعمال الألواح الشمسية في المنازل مع فشلهم الذريع في إنشاء مزارع رياح بحرية وبرية وعاملة بالطاقة الشمسية أو بناء شبكة ذكية مناسبة وتقنيات فاعلة لتخزين الطاقة. يوضح ميشال هيتمانسكي، مدير المنظمة البحثية «إنتسترات»: «لطالما أعاقت الحكومة العملية الانتقالية في مجال الطاقة، فهي تريد أن تتابع استعمال الفحم إلى أن تقتني الطاقة النووية».

لا تصغي الحكومة إلى البولنديين القلائل الذين يتكلمون صراحةً عن ارتفاع التكاليف والجداول الزمنية لمشاريع الطاقة النووية، منهم أورسولا زيلينسكا من «حزب الخضر» أو خبراء الطاقة الذين يتطرقون إلى هذا الموضوع في أوساطهم الخاصة. نشأ مصنع واحد فقط وبدأ تشغيله في آخر 45 سنة بسبب التكاليف الباهظة للمفاعلات الذرية: تجاوزت كلفة مفاعلَين بالماء المضغوط في محطة توليد الكهرباء «فوغتل» في ولاية جورجيا الأميركية عتبة 35 مليار دولار، وهما أحدث مفاعلَين تم تشغيلهما في البلد. تنجم هذه الكلفة عن سوء الإدارة وغياب الإشراف المكثّف، ما أدى إلى إفلاس شركة التعاقد الأساسية Westinghouse، وهي الشركة التي اختارتها بولندا كشريكة لها في المشروع.

في الوقت الراهن، ما من مفاعلات نووية قيد التطوير في الولايات المتحدة بسبب تكاليف البناء والتأمين، كما أن سعر كل كيلوواط يبقى أعلى من كلفة طاقة الرياح والطاقة الشمسية بثلاث إلى ثماني مرات. ومنذ العام 2017، لم تظهر أي نماذج أميركية التصميم من المفاعلات، مثل نموذج AP1000، في أي مكان آخر من العالم. لكن إذا كانت الولايات المتحدة لا تستطيع تحمّل كلفة بنائها، رغم إشادة الحزبَين الجمهوري والديمقراطي ببرنامج الطاقة النووية القوي وتقديم دعم حكومي بالمليارات، فكيف يمكن أن تتحمّل بولندا كلفة 108 نماذج منها؟

بالإضافة إلى 46 مليار دولار تنوي بولندا إنفاقها على هذه المشاريع، يتكلّم غيبورغ تشيتفيرتنسكي عن مساعدات أميركية (غير محددة). برأيه، لا تعكس تكاليف الطاقة النووية طبيعتها كنوعٍ من طاقة الحمل الأساسي، على غرار الفحم وعلى عكس الرياح والطاقة الشمسية. هي تستطيع توليد الحد الأدنى من الطاقة المطلوبة على مدار الساعة.

وعلى عكس ألمانيا التي كانت تخطّط لسدّ نواقص الغاز (لا سيّما الغاز الروسي) إلى أن تتمكن من بناء نظام قائم على مصادر الطاقة المتجددة حصراً، بدأت بولندا تستغني عن الوقود الأحفوري الروسي بوتيرة تدريجية بعد بدء الغزو الروسي لشبه جزيرة القرم في العام 2014. أخيراً، يقول غيبورغ تشيتفيرتنسكي بلا تردد إن عصر الطاقة النووية قد يبدأ بسرعة فائقة: حوالى سبع سنوات ونصف لبناء المفاعلات الكبيرة، ومدة أقل بكثير لبناء المفاعلات الأصغر حجماً.

في ما يخص سرعة التنفيذ، يبدو غيبورغ تشيتفيرتنسكي متفائلاً بهذا الشأن بقدر تفاؤله بخطط العمل الواقعية التي يصبو إليها. تطلّب بناء وتشغيل أول مفاعل نووي في أوروبا منذ 15 سنة، وهو مفاعل «أولكيلوتو 3» في فنلندا، 17 سنة، وهي مدة أطول من الخطط الأصلية بثلاث مرات ونصف، من دون أن نحتسب التحضيرات المالية والقانونية. في غضون ذلك، زادت تكاليف مفاعل «أولكيلوتو 3» بثلاثة أضعاف تقريباً على مرّ هذا المشروع الفاشل. لا تُعتبر المشاكل التي واجهتها المحطة في فنلندا استثناءً على القاعدة، بل إنها حالة شائعة في أوروبا.

في ما يخص المفاعلات المعيارية الصغيرة، تحمل محطتان فقط في روسيا والصين خصائص قريبة من هذه التقنية المرتقبة لدرجة أن تستحقّ تصنيفها في خانة المفاعلات المعيارية. حصلت الشركة الأميركية NuScale وحدها على رخصة لبدء البناء في الولايات المتحدة، لكنها لا تستطيع المضيّ قدماً قبل أن تجد مستثمرين أسخياء لتنفيذ هذا المشروع التجريبي، علماً أنها عجزت عن تنفيذه من دون دعم إدارة جو بايدن. كذلك، يحتاج المشروع حتى الآن إلى المرور بمراحل تصميم إضافية، ويجب أن يحصل على ترخيص من اللجنة التنظيمية النووية الأميركية لبدء البناء والاختبارات التي تسبق مرحلة التشغيل، وفق معطيات المنظمات البحثية الأميركية المتخصصة بمشاريع الطاقة. وبما أن نطاق هذه المشاريع يبقى أصغر بكثير من المشاريع العملاقة التي طبعت القرن العشرين، منها مشاريع محطة «فوغتل»، من المتوقع أن ترتفع كلفتها مقابل كل كيلوواط من الطاقة بدل أن تنخفض، إذا افترضنا أن النموذج الأميركي سينشأ يوماً.

تعليقاً على الموضوع، صرّح مات بوين، باحث مرموق في مركز سياسة الطاقة العالمية في جامعة كولومبيا، للموقع الإعلامي المستقل Energy Monitor هذه السنة: «لا تزال تقنية المفاعلات المعيارية الصغيرة غير مثبتة لأننا لم نقم ببناء أي مفاعل من هذا النوع بعد. إذا تبيّن أن بناء المفاعلات المعيارية الصغيرة يشبه بناء نموذج AP1000 [في محطة «فوغتل»]، يعني ذلك أننا لن نبني عدداً كبيراً منها على الأرجح».

يعترف خبراء الطاقة البولنديون في أوساطهم الخاصة، وحتى شخصيات بارزة مثل غيبورغ تشيتفيرتنسكي، بأن اقتراحاتهم تبقى تفاؤلية بدرجة مفرطة. يُعتبر قطاع الطاقة في بولندا، كما في أنحاء أوروبا الوسطى والشرقية، محافِظاً جداً، وهو نتاج عقلية شائعة منذ الحقبة الشيوعية. رغم تعدد الدراسات وانتشار أفضل الممارسات في القارة ككل، لا يستطيع هذا القطاع أن يتقبّل احتمال أن يتكل النظام المعتمد على مصادر الطاقة المتجددة، والشبكات الذكية، وسعة التخزين، والهيدروجين، واستراتيجيات الاستجابة لحجم الطلب.

لا يستفيد الوضع من حجم الاستثمارات الضخمة التي تحصل في قطاع الفحم وتقوم بها المنشآت الحكومية الأربع، وهي الوحيدة في بولندا. يؤثر أي تغيير في مقاربتهم التقليدية على مستوى أرباحهم. لهذا السبب، يحاول جميع المعنيين إعاقة الحلم بتطوير الطاقة النووية. هذا كل ما يهمّهم.