1168

الإصابات

26

الوفيات

699

المتعافون

ريتا ابراهيم فريد

الإختيار

ثنائية الوفاء والخيانة

23 أيار 2020

02 : 00

فرض مسلسل "الإختيار" حضوره بقوّة بين الأعمال الدرامية المصرية والعربية التي تُعرض خلال شهر رمضان المبارك لهذا العام. فالمسلسل يتمتّع بعناصر جذب عدة، أهمّها أنّه يوثّق مرحلة مهمّة من تاريخ مصر الحديث حول الصراع مع الفكر المتطرّف، ويروي سيرة الرائد الشهيد أحمد المنسي، بما لهذه الشخصية، ولشهداء الجيش بشكل عام، من رمزية في قلوب المصريين والعرب. وجاء اختيار النجم أمير كرارة كي يجسّد دور الشهيد كعنصر جذب إضافي، كون كرارة يتمتّع بشعبية كبيرة وحضور مميز، إضافة الى أنّ ملامحه تشبه ملامح المنسي، فاستطاع من خلال قوة بنيته الجسديّة وشخصيته الجاذبة وأدائه المتميّز أن يتقمّص الدور من جميع جوانبه.

المسلسل من كتابة باهر دويدار، إخراج بيتر ميمي، ومن إنتاج "سينرجي". وبطولة أمير كرارة، أحمد العوضي، دينا فؤاد، سارة عادل، أحمد فؤاد سليم، ومن نخبة من الممثلين المصريين.

تبدأ الأحداث في تموز من العام 2017، في مشهد يوثّق اللحظات الأخيرة للرائد أحمد المنسي، الذي كان قائد "الكتيبة 103 صاعقة" في الجيش المصري، واستشهد في كمين أثناء التصدي لهجوم إرهابي في سيناء، حيث لقّب بأيقونة قوات الصاعقة المصرية. ثم تنتقل المشاهد الى تاريخ أيار من العام 2019، لحظة تسليم الإرهابي هشام العشماوي (الممثل أحمد العوضي) من القوات الليبية الى القوات المصرية، وردّة فعل أهالي الشهداء الذين قضوا على يده خلال مشاهدتهم البثّ المباشر للحدث، واللحظة المؤثرة حين قال المراسل: "الآن تستطيعون أن تترحّموا على شهدائكم". وتجدر الإشارة الى أن العشماوي أعدم في آذار من العام 2020 بتهم التخطيط والتنفيذ لجرائم إرهابية عدة.





المفارقــــة أنّ المنسي والعشماوي كانــا رفيقي سـلاح في كتيبة الصاعقة في الجيش المــصري. تعود الأحداث الى العام 2012، حيث كانت تحصل حوارات ونقاشـــات كثيرة بينهما. وفي أحــد اللقاءات، كانت لافتة العبـــارة التي قالها المنسي للعشماوي في الحلقة الثامنة من المسلسل: "إحنا ربّنا ميّزنا بحاجة واحدة بس عن المخلوقات كلّها: الإختيار". وهُنا تظهر الثنائية التي ارتكز هذا العمل على إظهارها: الرائد المنسي اختار أن يكمل طريقه في الجيش والتصدّي لكلّ أنواع العدوان على وطنه. بينما تقدّم العشماوي بطلب إقالة من الجيش، كي ينضمّ الى صفوف الجماعات المتطرّفة. واستفاد من خبرته كضابط سابق لتدريب بعض الجماعات في سوريا، قبل أن يعود لمبايعة جماعة "أنصار بيت المقدس" في مصر، ثم الانتقال الى ليبيا لتأسيس جماعة متطرفة خاصة به. لاحقاً، يُطلب منه أن يتخلّص من أحمد المنسي الذي كان رفيق سلاحه في الجيش. في المقابل، يُطلب من المنسي أن يعثر على العشماوي ويلقي القبض عليه بعد أن علموا أنه وراء عملية التفجير التي استهدفت وزير الداخليــــــة (لكنه نجا منها).

ثنائية المنســـي - العشماوي تعكس ثنائية الوفاء والخيانة، الخير والشر. وتظهر في كيفية تعاطي كلّ منهما مع الآخرين: المنسي يتمتّع بأخلاق عالية مرتكزة على قيم إنسانية ومشاعر وطنية. فهو يرفع من الروح المعنوية لعناصره، ويمنحهم الثقة في أنفسهم وفي ما يقومون به. هو رجل طيب القلب، لم يتردّد حتى في تقديم المساعدة الى أسرة أحد التكفيريين حين وجد أنّ الوالدة العجوز وأطفاله الصغار يحتاجون الى الطعام، مؤكّداً أنّ واجبه يفرض عليه أن يتعامل معهم بهذه الطريقة، كي يميّزوا الخطأ من الصواب، وكي لا يكونوا مثل والدهــم حين يكبرون.

في المقابل، أبدع الممثل أحمد العوضي في تأدية دور الإرهابي هشام العشماوي. ومن المؤكّد أنّ صورة الشرّ التي جسّدها سوف تنطبع في ذاكرة المشاهدين لسنوات. فهو دائم العبوس، ولا يبتسم أبداً. يخرج من عينيه غضب وحقد، مع ملامح حادة تعكس الجانب الإجرامي في داخله. ومن خلاله، تمّ تسليط الضوء على ذهنية الإرهابيين، وكيف تتطوّر الأفكار المتطرفة داخل رؤوسهم. فالعشماوي مثلاً يتذكر مواقف من طفولته، حين كان والده يمنعه من مرافقة أصدقائه المسيحيين مشدّداً على أنّ ذلك "يغضب ربّنا". الى جانب ذلك، يظهر كيف أنّ التكفيريين يفقدون أي حسّ إنساني، ويقتلون الأبرياء تحت ذريعة "نصرة دين الله، والسير في الطريق نحو الجنة". فبعد تنفيذهم لعملية إطلاق نار على عدد من الجنود المتواجدين في سيارة، ما أدى الى وفاتهم جميعاً، صوّروا الجثث الملطّخة بالدماء، وتفرّجوا على الفيديو الذي صوّروه وهم يتناولون الطعام.





وفي المقابل، كان هناك نوع من المبالغة في إظهار الجانب الإيماني والديني لضبّاط وعناصر الجيش، للتأكيد على أنّهم مسلمون ملتزمون ويصلّون، وكأنّ المُشاهد بحاجة لأن يتأكّد أنّ الجنود ليسوا كفّاراً يحاربون الإسلام. كما بدا مملاً الإسترسال في عرض مشاهد الاقتتال بين الجماعات المتطرّفة والجيش المصري، وكان بالتالي يمكن اختصارها.

المسلسل الذي يؤرّخ مرحلة معيّنة من التاريخ المصري الحديث، يوضح أيضاً معلومات مهمة عن كيف يتمّ التخطيط للعمليات الإرهابية، ويضيء على القواعد التنظيمية للجماعات التكفيرية من الداخل. ولا بدّ من الإشارة الى أنّ المخرج بيتر ميمي استعان بمشاهد حقيقية لبعض الأحداث، مثل مجزرة رفح الأولى في العام 2012، والتفجير الذي استهدف وزير الداخلية، والاعتصامات التي شارك بها أنصار الرئيس السابق محمد مرسي دعماً له، في مقابل التظاهرات ضده، إضافة الى مشاهد ومقاطع فيديو للشهيد المنسي.

في المحصّلة، تميّز "الإختيار" عن باقي مسلسلات رمضان بحيث أنه قد يكون المسلسل الوحيد الى جانب مسلسل "النهاية" الذي ينأى بنفسه عن قصص الحب المملة وصراع البطلين للفوز بقلب البطلة، أو تلك المسلسلات التي تتحدث عن الخيانة الزوجية والغرام المستحيل بين بطل ثري وبطلة فقيرة. بالإضافة الى ذلك، كان ممتازاً اختيار قضية من التاريخ الحديث، فقد ملّ المشاهد من المسلسلات التي تتحدث عن الانتداب الفرنسي والبريطاني والحكم العثماني. وجاء "الاختيار" ليعطي فرصة للمشاهدين كي يتابعوا أحداثاً عايشوها منذ فترة قصيرة، في عمل درامي فنّي على مستوى إنتاجي عالٍ ولائق.

*يعرض على قنوات: ON، CBC، MBC، ومنصّة Shahid.net


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.