جاد حداد

Nyad... إنجاز رياضي بارز

28 تشرين الثاني 2023

02 : 00

تبدو ديانا نياد الشخصية المثالية التي يبحث عنها المخرجان جيمي تشين وإليزابيث تشاي فاسارهيلي، نظراً إلى إنجازاتها الرياضية المبهرة وغرورها الفائق.

تشين وفاسارهيلي متزوجان، وقد حصدا جائزة أوسكار عن فيلمهما المدهش Free Solo (عرض فردي حر) في العام 2018، ولطالما كانا يميلان إلى التجارب المتطرفة، وصولاً إلى حدود القدرات الجسدية والنفسية في جسم الإنسان. تدخل شخصية نياد في هذه الخانة بالذات، فهي سبّاحة مسافات طويلة أسطورية ومقدّمة برنامج Wide World of Sports (عالم الرياضة الواسع) سابقاً على قناة «إي بي سي». إنه أول فيلم سردي طويل في مسيرة المخرجَين أيضاً، وهو يروي مغامرتها اللافتة في عمر الرابعة والستين، حين حاولت أن تسبح من كوبا إلى فلوريدا، ما يعني اضطرارها لقطع 110 أميال.

يعرض الفيلم قصة نموذجية عن الإنجازات الرياضية، وهي حكاية مألوفة حول الانتصار على العوائق. عندما تقطع نياد تلك المسافة أخيراً، بمساعدة فريق من المدربين، وممارسي التجديف، ومسعف، هي تخوض التجربة الخامسة من هذا النوع. سنشاهد جميع الانتكاسات التي تتعامل معها، فنطّلع على الشوائب التي رافقت الرحلة قبل تحقيق النجاح في نهاية المطاف. في مشهد ليلي مرعب، سنشاهد مثلاً مواجهة غير متوقعة مع سرب من قناديل البحر الصندوقية.

لكن يتجاوز هذا الوثائقي جميع التوقعات بفضل الأداء الفردي والمشترك بين أنيت بينينغ وجودي فوستر. تضفي بينينغ طابعاً حيوياً وشرساً على شخصية «ديانا»، فتستمتع بتجسيد حب الذات لدى السبّاحة الماهرة ونزعتها النرجسية إلى تجاهل المؤشرات الاجتماعية البارزة. تفكر نياد بنفسها كثيراً، ويُعتبر هذا النوع من الاقتناع بالقدرات الذاتية أساسياً لتحقيق النجاح في هذه الرياضة وبلوغ أعلى المستويات فيها. لكن تفتقر بينينغ الممثلة إلى أي مؤشر على الغرور، فهي تظهر بلا مكياج، ويبدو شعرها رطباً وأشعث، وغالباً ما ترتدي ثوب سباحة أو قميصاً قطنياً فضفاضاً. إنها صورة بعيدة جداً عن مظاهر الفخامة.

لكن رغم هذه الخصائص اللافتة، تسرق فوستر الأضواء منها بدور صديقة «نياد» القديمة ومدرّبتها وشريكتها السابقة «بوني ستول». ثمة كيمياء طبيعية وقوية بين الممثلتَين المخضرمتَين، وهما تنجحان في تجسيد عمق علاقتهما القائمة منذ عقود ومختلف تعقيداتها. لكن تطرح فوستر أيضاً وجهة نظر واضحة وتعطي طابعاً دافئاً للأحداث، فتتصدى بذلك لشراسة بينينغ. هي تعكس أيضاً شرارة قوية وصادقة على الشاشة، وكأنها لا تمثّل في أي لحظة. من الممتع أن نشاهد فوستر وهي تغوص في هذا النوع من الأدوار المركّبة مجدداً. «بوني» هي الشخصية الوحيدة التي تستطيع انتقاد «ديانا» بسبب سلوكها البغيض، إلى أن يظهر الممثل ريس أيفانز لاحقاً على الأقل بدور القبطان المنطقي. هو يبحر إلى جانب «ديانا» خلال محاولاتها المضطربة والمتكررة. يقدم أيفانز أداءً متقناً أيضاً، فيُعبّر عن تعبه من العالم بأسلوب ساخر.

لكن ثمة حلقة مفقودة في الفيلم، فهو لا يجسّد الجانب المخادع من شخصية «نياد» بأسلوب واضح ومباشر. سبق وذكرت تحقيقات حديثة أن هذه السبّاحة لم تكن صادقة دوماً في عرض تفاصيل مسيرتها، بل إنها تفبرك إنجازات يسهل دحضها. يُلمِح الوثائقي إلى هذه النزعة لديها حين تغيظها «بوني» حول ميلها إلى تضخيم تفاصيل قصة متكررة، لكن يقف الانتقاد عند هذا الحد. كان يُفترض أن يروي الفيلم قصة أكثر استفزازاً وفوضوية عن هذا الجانب من شخصيتها، لذا من المؤسف أن يفضّل صانعو العمل تقديمها كمصدر إلهام مثالي. ربما يصعب الكشف عن جميع صفاتها لأن ديانا نياد لا تزال على قيد الحياة وتتمتع بسمعة مرموقة في عمر الرابعة والسبعين. تؤكد صور الشخصيات الحقيقية التي تُعرَض في نهاية الوثائقي إلى جانب الممثلتَين الرئيسيتَين على حصول صانعي العمل على موافقة نياد. كان العمل ليصبح أكثر إثارة لو لم توافق عليه شخصياً.

مع ذلك، يقدّم الوثائقي عدداً مبهراً من المناظر الطبيعية الخلابة واللحظات العصيبة، مع أننا نعرف أن ديانا ستنجح في تحقيق حلمها في نهاية المطاف. كذلك، تبدو الجوانب اللوجستية للرحلة وهي تشق طريقها نحو النجاح مبهرة بمعنى الكلمة. لكن يتأثر مستوى العمل بالموسيقى التصويرية التي تتراوح بين ألحان سايمون وغارفونكل ونيل يونغ. توضح ديانا أنها تحفظ قائمة أغاني في عقلها لإعطاء إيقاع معيّن لمغامراتها، ما يعني أنها استعملت هذه الألحان على الأرجح في حياتها الواقعية للمضي قدماً. لكنها تبدو مباشرة أكثر من اللزوم في هذا السياق السينمائي.

أخيراً، يبدو المحيط دائم الحركة، لكن تضاهيه ديانا من حيث القوة والحيوية حين تتفوه بعبارات مألوفة مثل «لا أريد أن تمنحوني علامة ممتازة احتفالاً بأكبر إنجاز في حياتي». قد لا يكون هذا الوثائقي أعظم فيلم عن ذلك الإنجاز، لكنه ممتع بما يكفي.