جاد حداد

The Pledge...بين حلّ الجرائم والبحث عن إرضاء الذات

29 تشرين الثاني 2023

02 : 00

يبدأ فيلم The Pledge (الوعد) من إخراج شون بن حين يوشك بطل القصة على التقاعد من عمله. يؤدي جاك نيكلسون دور «جيري بلاك»، تحرّي في شرطة نيفادا يتوقف حفل تقاعده عند وصول خبر عن قتل فتاة بطريقة وحشية. هو يشعر بتغيّر الأجواء في تلك الغرفة الصاخبة وينضم إلى محادثة بين رئيسه والرجل الذي سيستلم منصبه. ثم يقصد ساحة الجريمة، من باب العادة على الأرجح أو لأنه لم يتقاعد رسمياً بعد. يبدو مشهد تلك الفتاة الصغيرة، التي ترتدي معطفاً أحمر اللون وتتمدد وسط الدماء التي تغطي الثلوج من حولها، مؤسفاً بمعنى الكلمة.

يشعر «جيري» بالغضب بسبب عجز المسؤولين عن حفظ الأدلة بالشكل المناسب في ساحة الجريمة وتردّد الشرطة في إبلاغ والدَي الفتاة بما حصل، فيقرر أخذ المبادرة بنفسه. سنشاهده وهو يقترب منهما ببطء لنقل الخبر المريع إليهما. يضع المخرج الكاميرا على مسافة من المشهد، حين يُبلِغ «جيري» الأبوَين بما حدث، لكن يتّضح حزنهما سريعاً. ثم يُطَمئِنهما «جيري» داخل منزلهما لاحقاً ويؤكد لهما على بذل الجهود اللازمة لإيجاد القاتل. تحمل الأم (باتريسيا كلاركسون) صليباً من صنع ابنتها وتطلب منه أن يعدها بإيجاد المجرم، فيتعهد بذلك ويقرر ألا يتوقف قبل تنفيذ وعده.

«جيري» رجل تطلّق مرتَين ولا أولاد له، وقد أمضى حياته في سلك الشرطة. كان ينوي في تلك الفترة أن يمضي بقية حياته وهو يمارس هواية الصيد. لكنه انجرّ إلى تلك الجريمة، وغاص في تفاصيل موقعها، واضطر لإبلاغ والدَي الضحية بما حصل، وسرعان ما تعهد بحل الجريمة بنفسه. ما مصير خططه الأصلية بالتقاعد إذاً؟ من الواضح أن هذا الرجل يتمسك بهويته الأصلية مهما حصل.

تُعتبر قوة الإرادة جوهر القصة، إذ يتابع الفيلم على ما يبدو إجراءات الشرطة قبل أن يتعمق في أسرار البراءة، والشر، وحاجة الإنسان إلى التأكد من قدراته. في مرحلة معيّنة، سندرك أن التقاعد شكل من الهزيمة والموت بالنسبة إلى «جيري». تقول له والدة الفتاة المقتولة «إن العالم لا يمكن أن يشمل هذا النوع من الشرور»، ثم ينظر في عينيها ويؤكد لها على وجود تلك الشرور فعلاً. هو يحاربها طوال حياته، وبات مضطراً الآن لرصد هذا الشر لإنقاذ نفسه.

ينظر «جيري» عبر الزجاج ذات الاتجاه الواحد خلال جلسة استجواب مشتبه به، وهو هندي أميركي متخلّف اسمه «توبي» (بينيسيو ديل تورو). يستجوبه «كرولاك» (آرون إكارت) الذي ينوي استلام منصب «جيري». هو يهمس الكلمات في أذن «توبي»، ويستميله لانتزاع اعتراف منه، ثم يرفع علامة الانتصار وكأنه مدرّب كرة قدم عندما ينجح في سماع اعتراف معيّن. ينصدم «جيري» بما يراه، إذ من الواضح أن الرجل الهندي لا يعرف ما يقوله، ثم يقتل «توبي» نفسه بعد لحظات وتنتهي القضية ظاهرياً.

يقدّم نيكلسون في هذا الفيلم أفضل أداء له على الأرجح. يخلو هذا الدور من الصفات التي اتّسم بها في أشهر شخصياته. سنشاهد رجلاً وحيداً ومسناً يحاول التقاعد من عمله لكنه يفشل. هو يُصِرّ على متابعة القضية حتى النهاية. بعد ترك السلك الذي كان يعمل فيه، يستعمل خارطة للتعمق في ثلاث ساحات جريمة قُتِلت فيها فتيات صغيرات على مر السنين وكنّ يرتدين جميعاً اللون الأحمر. هو يعثر على متجر ريفي صغير ومحطة بنزين على تقاطع طريق، وسرعان ما يصل إلى شقة في الطابق العلوي، فيدخل إليها ويقدّم عرضاً يصعب رفضه لمالكها (هاري دين ستانتون).

إذا ارتكب الرجل نفسه تلك الجرائم الثلاثة، يُفترض أن يمرّ بذلك المكان. يحصل المحقق على رسم تقريبي للمشتبه به من صديقة الفتاة المقتولة: هو رجل «عملاق» كان يقود سيارة سوداء كبيرة. يشعر «جيري» بالتوتر عند ظهور أي سيارة سوداء. ثم يتقرّب من النادلة «لوري» (روبن رايت بن) في حانة محلية. وعندما تحضر يوماً بعد تعرّضها للضرب، يقرر الاعتناء بها، فتعيش هي وابنتها الصغيرة معه.

يملأ شون بن ومدير التصوير كريس مينغيس الشاشة بتفاصيل محلية، ما يوحي بأن الفيلم لا يتبع أجندة معينة، بل إنه يُركّز على طريقة التخلص من المواقف الشائكة. يشمل مشهد تدور أحداثه في معرض محلي للصناعات اليدوية مثلاً أشخاصاً نعرفهم وآخرين لا نعرفهم، ثم تُذكّرنا لقطة محددة بأسلوب هيتشكوك، فيظهر منطاد زهري ويطفو بكل حرية فوق حشدٍ من الناس. وفي مشهد لاحق، تقوم الشرطة بدورية مراقبة في الغابة، ويقدّم صانعو العمل هذه اللقطة بدقة فائقة مع أننا قد لا نصدّق ما نشاهده أحياناً.

يُركّز بن بشكلٍ أساسي على شخصية «جيري بلاك»، فيقرّب الصورة منه في مناسبات متكررة. لا يتمحور الفيلم فعلياً حول جريمة القتل بل حاجات البطل الدفينة. كل ما يشاهده ويفعله هو نتاج حاجته إلى إقناع نفسه بأنه لا يزال محققاً بارعاً.