صوفي دي ديزار وغيوم جاندرون

إرتجال ماكرون في الشرق الأوسط يخرّب إرث الديبلوماسية الفرنسية

4 كانون الأول 2023

المصدر: Libération

02 : 00

ماكرون في ساحة المساجد في القدس خلال زيارته الرسمية الى اسرائيل والضفة الغربية - 22 كانون الثاني 2020

ما هي ركيزة المقاربة الدبلوماسية التي يطبّقها إيمانويل ماكرون؟ كيف يمكن تفسير هذا الكمّ من المماطلة منذ عملية «حماس» في 7 تشرين الأول؟ أو كيف يمكن تبرير فكرة تشكيل تحالف دولي مضاد لهذه الحركة خلال جولته في إسرائيل، في 24 تشرين الأول؟ فاجأ هذا الطرح العالم أجمع، من دون أن يوافق عليه أي بلد. هكذا يتحدّد مسار الدبلوماسية الفرنسية اليوم، فهو عبارة عن قرارات يتم تبادلها عبر الرسائل النصية في اللحظة الأخيرة وتُعبّر بكل بساطة عن حدس الرئيس. لكن هل يمكن إعتبار ماكرون المسؤول الوحيد عن ضعف الدبلوماسية الفرنسية، فيما يبدو الرئيس الأميركي جو بايدن الشخص الوحيد الذي يستطيع التأثير في مسار الحرب، علماً أن دوره الحاسم اتّضح في مسألة تحرير الرهائن مؤخراً؟ الأمر المؤكد هو أن الرئيس الفرنسي إحتاج إلى بعض الوقت قبل أن يبدي إهتمامه بمصير فلسطين.



في صيف العام 2019، زعزع ماكرون وزارة أوروبا والشؤون الخارجية حين اختار سفيراً من أصل يهودي: إيريك دانون. كانت واحدة من القواعد المعتمدة تقضي بإرسال «شخصيات حيادية» إلى تل أبيب، ولو أنها قاعدة غير رسمية. اضطرّ الوزير جان إيف لودريان للرضوخ مجدّداً. قال أمين عام وزارة أوروبا والشؤون الخارجية، موريس غوردو مونتانيو، في تلك الفترة: «إنها فكرة الرئيس، وهي ممتازة طبعاً». تفاجأ دانون من جهته بهذا التعيين، فهو لم ينسَ يوماً ما قيل له في بداية مسيرته: «بسبب اسمك، لن يتم تعيينك في إسرائيل مطلقاً». لكنه علّق على منصبه الجديد قائلاً: «أنا متفاجئ جداً ويشرّفني أن يرسلوني إلى إسرائيل لاستلام منصبي الأخير». يقول دانون إنه قصد مجمعاً يهودياً مرتَين وأن زوجته كاثوليكية، لكن كان أجداده الأربعة يهوداً، وهم يأتون من جميع أطراف منطقة البحر الأبيض المتوسّط. يملك الموساد مكتباً واسعاً في باريس، وهو الأهم في أوروبا، ولا شكّ في أنه يحقّق بتاريخ جميع الدبلوماسيين، ما يعني أنه يعرف تاريخ دانون ودعمه القوي للمجتمع اليهودي.

اعتُبِر اختيار دانون إذاً مبادرة ودّية من ماكرون إلى تل أبيب. كان السفير الجديد ليتلقّى التعليمات من وزارة أوروبا والشؤون الخارجية، خلال اجتماع كبير شمل ممثلين عن جميع الوزارات. يوضح دانون: «قالوا لي: نريد أن نتقدّم بسرعة. أنت تعرف موقف فرنسا وضرورة احترام حدود العام 1967 ودعم حل الدولتين... لكني أوقفتُهم حينها وسألتُهم: «من بين الحاضرين حول هذه الطاولة اليوم، من منكم مقتنع فعلاً بأن هذا الموقف قابل للتنفيذ؟». ساد صمت تامّ في تلك اللحظات ولم يرفع أحد يده، فقلتُ لهم: «نحن ندعم إذاً موقفاً لسنا مقتنعين به، ما يعني أننا سنخرج من التاريخ تدريجياً». تمحور النقاش لاحقاً حول العلاقات الاقتصادية التي يُفترض أن يقوّيها دانون وضرورة تكثيف التعاون بين وزارتَي الدفاع وأجهزة الاستخبارات في البلدَين.

في تل أبيب، أجرى دانون مقابلات كثيرة وأعاد صياغة مواقف ترامب خلال اجتماعات مع منظّمات داعمة لإسرائيل. كان يقول خلال حفلات افتتاح يحضرها في القدس: «دولة واحدة، أم دولتان، أم لا دولة من أي نوع؟ نحن مستعدّون لتقبّل أيّ حل إذا وافق عليه الفلسطينيون والإسرائيليون». اضطر دانون أيضاً للتعامل مع ماير حبيب، نائب الفرنسيين في الخارج، و»سفير» نتنياهو في فرنسا، وعدو وزارة أوروبا والشؤون الخارجية. رفض هذا الرجل «تحويل اليهود إلى مستعمرين على أرضهم»، وكان دائم الحضور في إسرائيل نظراً إلى علاقته المباشرة مع صديقه نتنياهو.

عمد إيمانويل ماكرون، بعد انتخابه، إلى تأجيل السفر إلى الأراضي المقدّسة مراراً. سرعان ما تبيّن أنه يعجز عن السيطرة على الشخصيات الكبرى التي ظنّ أنه يتحكم بها واستقبلها بحفاوة كبيرة في صيف العام 2017، أبرزها دونالد ترامب ثم بنيامين نتنياهو. هما اتّفقا على سحق الفلسطينيين عبر الاعتراف بالقدس كعاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأميركية إليها فوراً. أصيب العالم العربي بالذهول إزاء ما حصل، وانهار بذلك وهم عملية السلام نهائياً، وأعلنت حركة «حماس» إعادة فتح «أبواب الجحيم». اعتبر ماكرون ذلك القرار التاريخي «مؤسفاً» بكل بساطة. كما أنه بقي خارج «اتفاقيات أبراهام» التي كانت قيد التحضير وتهدف إلى تطبيع العلاقات الدبلوماسية مع الإمارات العربية المتحدة والبحرين، ما أثار استياء أهم الكوادر في وزارة أوروبا والشؤون الخارجية.

لا يحبّ ماكرون التورّط في الملف الإسرائيلي الفلسطيني القديم لأن هذه القضية تحمل مجازفات كبرى وهو يفضّل التمسّك بتوقّعات واقعية في هذا المجال. لكن تتعدّد الملفات الدولية الأخرى التي تلقي بثقلها على الرئيس الفرنسي، بما في ذلك لبنان الذي يوشك على الاختناق. هو يكلّف مستشاره إيمانويل بون والمدير العام لجهاز المخابرات الخارجية في فرنسا، برنار إيمييه، بالتحرّك لمعالجة الوضع هناك، علماً أنهما كانا سفيرَين سابقَين في بيروت.

بعد تقارير عدّة عن زيارته المحتملة، توجّه ماكرون إلى إسرائيل أخيراً في 21 كانون الثاني 2020، بدعوة من نتنياهو، لحضور الذكرى الخامسة والسبعين لتحرير معسكر «أوشفيتس بيركيناو»، إلى جانب أربعين مسؤولاً آخر. أصرّ المستشارون في قصر الإليزيه حينها على ربط الزيارة بإحياء تلك الذكرى بكل بساطة. لم تكن الظروف مناسبة لإطلاق مواقف معادية لترامب لأن الكشف عن «صفقة القرن» الأميركية المزعومة أصبح وشيكاً. تزامنت تلك المرحلة أيضاً مع توسّع حركة «السترات الصفراء» وانتشار الرسوم الكاريكاتورية المعادية للسامية في بعض المواكب، فيما أصرّ ماكرون على اعتبار معاداة الصهيونية مرادفة لمعاداة السامية.

عند عودة ماكرون من رحلته إلى إسرائيل، بدا وكأنه يتخلّى عن الخط التاريخي لوزارة أوروبا والشؤون الخارجية، فهو لم يعد يتحدّث عن حلّ الدولتين، بل عن نشوء «كيانَين مستقلَين». لم يذهب ماكرون إلى حدّ تكرار كامل الفكرة التي طرحها دانون، فقد كان هذا الأخير يدعم في أوساطه الخاصة ومذكراته الدبلوماسية شكلاً من السيادة المحدودة لفلسطين (ما يعني ألا تحصل على جيش، أو أموال، أو سيطرة على الحدود). إنه مفهوم «الدولة الناقصة» الذي طرحه ترامب ونتنياهو حين كانا يحلمان بنشوء بقايا دولة من هذا النوع في «صفقة القرن» التي جمعتهما.

ماكرون يبحث عن مساره الخاص

تتداول الأوساط الرئاسية فكرة أخرى في هذا الملف، وهي تقضي بإطلاق مرحلة إنتقالية، برعاية المملكة العربية السعودية لتشكيل نخبة فلسطينية منطقية قادرة على استلام السلطة تكون على علاقة جيدة مع الغرب. أصبح هذا الحلّ المحتمل للصراع الفلسطيني الإسرائيلي متداولاً سعياً لتطبيع العلاقات بين إسرائيل والدول العربية. هذا السيناريو أصبح معروفاً في قصر الإليزيه، ويبدو أنه بات جزءاً من المواضيع المتنوّعة التي خضعت للنقاش خلال زيارة محمد بن سلمان إلى باريس، في شهر حزيران الماضي.

كما يحصل في مختلف المجالات، يبدو ماكرون مقتنعاً أكثر من أي شخص آخر بقوة التجارة والشباب. هو يأمل في أن يتحقّق التغيير المنشود انطلاقاً من هذين العاملَين. تلقّى الدبلوماسيون أوامر بتحديد مجموعة من الفلسطينيين الواعدين. في هذا السياق، يقول القنصل السابق في القدس، رينيه تروكاز: «كان الرهان الحقيقي يتعلّق بتغيير العقليات السائدة، وفهم منافع الدول الناشئة، ودمج الفلسطينيين مع الدولة الإسرائيلية بوتيرة تدريجية. أنا شخصياً كنتُ أقول يومياً إن ذلك الوضع لن يصمد في هذا النوع من الأراضي المحتلة الصغيرة، والمكتظة، والفقيرة، وفي ظل القيود المستمرة التي يفرضها الجيش الإسرائيلي. كنّا نعرف أن الوضع سينفجر في نهاية المطاف، لكننا لم نكن نستطيع تحديد توقيت تلك المرحلة أو كيفية حصولها».

من الواضح أن ماكرون يبحث عن المسار الذي يناسبه بأي ثمن. لقد كان رئيس الدولة الوحيد الذي يقترح تشكيل تحالف ضد «حماس»، وهو المسؤول الوحيد الذي جلس لاحقاً إلى جانب محمود عباس في رام الله، ثم تعرّض للانتقاد من ملك الأردن، قبل أن يطلق في 9 تشرين الثاني المؤتمر الإنساني الشهير لصالح غزة. يسمّيه الناس في شوارع تل أبيب «ماكرون المتقلّب»، بينما يعتبره العالم العربي «خائناً».

أراد الرئيس الفرنسي أن يسترجع سيطرته على الوضع، لذا أصدر أمراً باقتراح أفكار جديدة عليه في أسرع وقت بعدما أدرك منافع استدعاء الدبلوماسيين فجأةً، واحداً تلو الآخر، لتشكيل فرقة عمل خاصة بشؤون الشرق الأوسط. هو يتابع استشارة المسؤولين من جميع المجالات، بدءاً بالكاتب والفيلسوف برنار هنري ليفي الذي يتمتّع بمكانة مرموقة لا يمكن المساس بها، وصولاً إلى الفكاهي اللاذع ياسين بلطار الذي يعتبر نفسه ممثلاً لجماعته وقد حذّر قصر الإليزيه من «انزعاج المسلمين الذين يخشون التعبير عن أنفسهم في فرنسا، ما يجعلهم يلجأون إلى مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام الأنغلوسكسونية».

لكن يحمل سفير إسرائيل السابق في فرنسا، إيلي بارنافي، نظرة أكثر إيجابية، علماً أنه من أشرس داعمي أفكار رابين (الدولة الفلسطينية شرط إلزامي لقيام الدولة العبرية). هو لا يزال مقتنعاً بدور ماكرون الذي لا يكفّ عن التحرك ويتفوّق على نظرائه الأوروبيين الآخرين برأيه. همس هذا المُسنّ الحكيم للرئيس بكلمات لا تكفّ عن التردّد في عقله، فقال له: «يجب تحويل الكارثة إلى فرصة إيجابية!».