جاد حداد

Bad Surgeon: Love Under the Knife... قصة الجراح الرائد باولو ماكياريني

5 دقائق للقراءة

بدا باولو ماكياريني في مرحلة معيّنة أشبه ببطل مثالي في رواية خيالية. يجيد هذا الجراح الإيطالي الوسيم ست لغات، وقد جذب أنظار العالم إليه منذ عشر سنوات، حين أصبح أول جراح صدر يستعمل أنابيب القصبات الهوائية البلاستيكية. كان هدفه النهائي شبه خيالي: إلغاء الحاجة إلى التبرع بالأعضاء البشرية.

وقع العالم تحت سحره سريعاً. منحه «معهد كارولينسكا في ستوكهولم» فِرَقاً جراحية وتمويلاً كبيراً، وقصده المرضى وتوسلوا إليه لإنقاذ حياتهم، واصطف صحفيون من أنحاء العالم أمام بابه لمقابلته.

بينيتا ألكسندر هي واحدة منهم. كانت في منتصف الأربعينات من عمرها في العام 2013، وهي منتجة فائزة بجوائز عدة على قناة «إن بي سي نيوز». لفتت عمليات زراعة القصبة الهوائية البلاستيكية التي يقوم بها ماكياريني انتباهها، فخططت لتصويره أثناء إجراء عملية لفتاة بعمر السنتين وُلدت من دون قصبة هوائية.

سرعان ما نشأت قصة حب بين ألكسندر وماكياريني، وكانت هذه التجربة كفيلة بتغيير حياتها إلى الأبد. لم تكن ترى في تلك المرحلة إلا رجلاً وجد الحل لاثنتين من أكبر مشاكل الطب: رفض الأعضاء المزروعة، وقلة المتبرعين. تقول ألكسندر من منزلها في نيويورك عبر تطبيق «زوم»: «أنا مقتنعة الآن بأنه، في الحد الأدنى، مصاب بمرض الكذب، بل إنه معتل اجتماعياً أو مريض نفسياً. لكني كنتُ أظن حينها أنه سيغيّر وجه العالم. هو أشبه بعنكبوت يجذب الناس إلى شبكته ببطء، لكنه يتقن ما يفعله لدرجة ألا ندرك حقيقة ما يحصل».

أصبحت قصتها محور الوثائقي الجديد على «نتفلكس»، Bad Surgeon: Love Under the Knife (جرّاح سيئ: الحب تحت المشرط).

تعرض لقطات من هذا المسلسل أول لقاء بين ألكسندر وماكياريني الذي كان يبلغ 54 عاماً حينها. هو يظهر كشخصٍ جذاب جداً، فيتكلم بلطف مع الفتاة المريضة وأبوَيها ويتغزل بألكسندر في الوقت نفسه.

سرعان ما تطورت علاقتهما وكان يُفترض أن يتزوجا في تموز 2015، لكن بدأت ألكسندر تشعر بالقلق مع اقتراب موعد الزفاف، فقد عجزت عن التواصل مع منظّم العرس ولم تتمكن يوماً من زيارة منزله في برشلونة.

في هذه المرحلة، كانت ألكسندر قد وافقت على ترك عملها والانتقال إلى إسبانيا مع ابنتها المراهِقة للعيش مع زوجها المستقبلي. لكن في اليوم الذي تلا تركها لعملها في «إن بي سي»، في أيار 2015، أرسل لها أحد زملائها رسالة إلكترونية تذكر أن بابا روما، الذي كان يُفترض أن يقيم مراسم زفافها، سيكون في أميركا الجنوبية في موعد الزواج. هكذا اكتشفت براعته في التلاعب بالناس وتبديد أي شكوك حوله، وبدأت ترى وجهه الحقيقي.

عندما واجهته بالحقائق، قطع اتصاله بها، فذهبت سراً إلى برشلونة حيث شاهدت الرجل الذي اعتبرته حب حياتها وهو يسير إلى جانب امرأة وولدَين. هي أدركت لاحقاً أنه كان متزوجاً أصلاً.

لم تُكشَف أفعال ذلك الجراح قبل العام 2016. خلال فترة شهرَين، نشرت مجلة «فانيتي فير» مقابلة مع ألكسندر وصدر وثائقي سويدي عن إخفاقات ماكياريني الطبية. أخيراً، رضخ معهد «كارولينسكا» للضغوط وأعلن أنه لن يجدد عقده مع الجراح الشهير. وفي العام 2022، أُدين بارتكاب أذى جسدي في محكمة سويدية وصدر بحقه حُكم مع وقف التنفيذ.

لكن تحقق الإنجاز الأكبر في شهر حزيران من هذه السنة، حين حُكِم على ماكياريني بالسجن لمدة سنتين ونصف بتهمة التسبب بموت ثلاثة أشخاص بين العامين 2011 و2014.

لطالما أنكر ماكياريني ارتكاب أي عمل إجرامي، فصرّح لوكالة «أسوشيتد برس» بأنهم يتعاملون معه وكأنه «مجرم حرب»، ثم أضاف قائلاً: «لقد قمنا بعملية الزرع ونحن نحمل نوايا حسنة». يقول محاميه بيورن هيرتيغ إنه سيستأنف الحُكم ولن يستسلم مطلقاً، وهو يؤكد على عدم انتهاء القضية بعد.

تعيش ألكسندر اليوم في نيويورك، وقد بدأت علاقة عاطفية جديدة، وتنشغل بتقديم تدوين صوتي حيث تجري مقابلات مع نساء أخريات وقعن ضحية رجال مخادعين. هي ترفض التزام الصمت وتقول: «شعور العار والإهانة الذي يصيب الضحية هو جزء من أسباب التزام الصمت، لكني أدين للنساء الأخريات برفع الصوت. لا يزال عقاب باولو أقل من مستوى الجرائم التي ارتكبها، لكن تشوّهت سمعته على الأقل ولا شيء أسوأ من ذلك بالنسبة إلى رجل لا يهتم بالأشخاص الذين دمّر حياتهم».

يقول متحدث باسم معهد «كارولينسكا»: «تكثر الممارسات التي تستحق الانتقاد في تحركات المعهد في قضية ماكياريني. خضعت الأحداث لتحقيق مكثّف وتم اتخاذ تدابير جدّية: حسّن المعهد إجراءات المراجعة، وشدّد القواعد المعتمدة، وزاد التوعية حول الاعتبارات الأخلاقية في الأبحاث. استقال رئيس المعهد في تلك الفترة بسبب قضية ماكياريني، لكن كان الباحثون الفرديون مسؤولين عن الأخطاء المرتكبة. كان يُفترض أن يأخذوا كلام المخبرين على محمل الجد منذ مرحلة مبكرة. اعترف عدد من ممثّلي معهد «كارولينسكا» بهذا الواقع في الماضي، وصدر اعتذار منهم في مناسبات عدة».

أخيراً، يُصِرّ ماكياريني على إنكار المعلومات الشائكة بشأنه، وهو يفكّر باتخاذ إجراء قانوني ضد كل من يهينه عبر نشر تُهَم مزيفة.