جاد حداد

Detective Forst... رحلة مظلمة وسط الجليد

4 دقائق للقراءة

في مسلسل التشويق البولندي Detective Forst (المحقق فورست)، تلوح قمم جبال «تاترا» الشاهقة في أفق المشاهد وكأنها حارسة صامتة للمكان، فتُغلّف موقعاً يخفي فيه جمال الطبيعة الجليدي أسراراً تقشعر لها الأبدان. إنه عالم المحقق «فيكتور فورست» المعروف بشخصيته الصارمة والجامحة. يقرر المسؤولون تعليق عمله بسبب أساليبه غير التقليدية، فهي خليط من التكتيكات غير المألوفة والغرائز التي يتكل عليها وهو ثمل أحياناً. سرعان ما ينجرّ «فورست» إلى داومة قاتمة أكثر من أي شق جليدي في تلك المنطقة الباردة. تطغى سلسلة من جرائم القتل الوحشية على مجموعة من القرى الجبلية، ويصبح «فورست» رغم جميع العوائق أمل السكان الوحيد لتحقيق العدالة. لكنه يدرك أن هذه العدالة تترافق مع ثمن معيّن. هو رجل لطالما طاردته الظلال، فحمل أعباء شياطينه الخاصة على كتفَيه العريضَين. يخفي مظهره الخارجي الخشن، ونزعته إلى عدم التسامح مع الأخطاء، وإصراره على إجراء تحقيقات مكثفة، ذكاءً فائقاً ومبادئ أخلاقية يرفض التنازل عنها، حتى لو كان يفضّل اللجوء إلى أساليب غير اعتيادية لتحقيق أهدافه. هو أشبه بذئب يحاصر فريسته، فينتظر اللحظة المناسبة للانقضاض عليها ويبدي استعداده للتحايل على القوانين عند الحاجة بهدف كشف الحقائق.

لكن تبدو الحقيقة بعيدة المنال في هذا المكان المحاط بأشجار الصنوبر المغطاة بالثلج. تظهر في هذه المرحلة من الأحداث «إيوا رودنيكا»، صحفية عنيدة تنجرّ تلقائياً إلى الفضائح مثلما تنجذب الفراشة إلى النار. تشكّل شراكتهما علاقة غير متوقعة، فينشأ رابط مميز بين المحقق المُنهَك والصحفية الشرسة، وتتراوح علاقتهما بين الشكوك والثقة حين يحاولان إتمام تحقيقاتهما الشائكة. تطلق مقاربتهما المتناقضة شرارة بينهما، على المستويَين الفكري والعاطفي، فيتابعان استكشاف تفاصيل لغز مريع.

يعجّ المسلسل بالتناقضات على مر حلقاته. يعرض التصوير السينمائي الخلاب جبال «تاترا» بأسلوب جميل آسر، وكأنها لوحة من القمم الوعرة والوديان الطبيعية التي تصبح شاهدة صامتة على الأهوال المنكشفة. لكن وراء هذا الغطاء الجليدي، تكمن ظلمة باردة وقاسية بقدر رياح الشتاء. لا يتجنب المسلسل وقائع العنف الوحشي، بل يستكشف الانحطاط الاجتماعي الذي يتوسّع بكامل قوته تحت السطح الخلاب، وكأنه نهر جليدي خفيّ. تتسلل مظاهر الفساد إلى جميع المجالات، ويخرّب استغلال البيئة الثلوج الطبيعية، وتتداخل همسات الفولكلور القديم مع النسيج السردي وتضيف طبقة من الغموض الشائك إلى معظم الأحداث.

لكن لا يكتفي المسلسل بتقديم أجواء قاتمة طوال الوقت، بل إنه يروي قصة الروح الإنسانية ويشدد على أهمية قوة التحمّل لمجابهة أصعب الظروف. يبدو «فورست» رجلاً معذباً ومليئاً بالعيوب، ويمكن اعتباره تجسيداً لتلك القوة. هو يترنح ويوشك على السقوط بسبب أساليبه غير التقليدية التي تدفعه إلى الظلمة، لكنه لا يتخلى في أي لحظة عن مساعيه لتحقيق العدالة. تعكس رحلته الجوانب المظلمة التي يحملها الناس، ما يجبرنا جميعاً على مواجهة الشرور الكامنة في داخلنا.

لكن لا يخلو هذا التعمق في الظلمة من الشوائب. قد يبطئ إيقاع العمل زخم القصة أحياناً، وتفتقر بعض التحولات غير المتوقعة في الحبكة إلى عامل المفاجأة المؤثر، حتى أن الاتكال على عبقرية «فورست» الغريبة قد يزيد الأحداث المتوقعة في بعض اللحظات. يطرح المسلسل وجهات نظر متنوعة ويشمل حبكات فرعية يفتقر بعضها إلى التطوير، فيشعر المشاهدون في مرحلة معيّنة بضرورة إنهاء بعض الأحداث بوضوح متزايد.

لكن رغم هذه العيوب، يبقى المسلسل جاذباً وخلاباً على مستوى الجو الطبيعي العام. في ما يخص الأداء التمثيلي، يسهل التعلّق بالقصة منذ البداية بفضل براعة الممثل ماسيج ستور بدور «فورست» المعذّب وماغدالينا بوكزارسكا بدور «إيوا» القوية. يرتفع مستوى العمل ويزيد تعقيده أيضاً عبر التطرق إلى مواضيع قاتمة، وتجسيد المشاكل الاجتماعية بأسلوب مباشر، واختيار مواقع تصوير خلابة. هذا المسلسل هو من النوع الذي يبقى أثره فينا بعد انتهائه بوقتٍ طويل، فيجعلنا نفكّر بحجم فساد البشر والخط الهش الذي يفصل بين العدالة والصمود. إذا كنت تبحث عن مسلسل يتجاوز عوائق التمييز على أساس الجنس ولا يكتفي بحل لغز معقد، يُفترض ألا تتردد في مشاهدة هذه القصة. تَحَضّر نفسياً واستعد للغوص في عالمٍ مظلم بمعنى الكلمة. تذكّر أولاً أن هذه الرحلة قد تكون شائكة، لكنك لن تنسى ما ستراه من قاع الهاوية في أي وقت قريب.