فاليري بليم

تجربة النساء في وكالة الاستخبارات المركزية

22 كانون الثاني 2024

المصدر: Foreign Policy

02 : 00

في العام 2003، كشف كبار المسؤولين في البيت الأبيض هويتي كعميلة سرية في وكالة الاستخبارات المركزية. هم سرّبوا هويتي بعدما كتب السفير الأميركي جو ويلسون، الذي كان زوجي حينها، مقالة افتتاحية مفادها أن إدارة جورج بوش الإبن كذبت في شأن التهديد الذي يطرحه العراق قبل قراره بغزو البلد.

أمضيتُ وقتاً طويلاً خلال العقود اللاحقة وأنا أحاول تقبّل الصدمة التي عشتُها بسبب تلك التجربة. طرح ذلك الحدث تهديداً على أملاكي، ووضع حداً لمسيرتي السرية، وزعزع استقرار عائلتي. وحتى الأحداث التي وقعت في مراحل لاحقة أعادتني إلى تلك التجربة، حين أصدر الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب قرار عفو عن سكوتر ليبي، كبير الموظفين في مكتب نائب الرئيس السابق ديك تشيني، بعد إدانته بالكذب وتقديم شهادة زور أمام مكتب التحقيقات الفدرالي خلال تحقيقه بمسألة التسريبات. في تلك السنوات، اعتُبِرتُ كاذبة وخائنة.

لكن حين قرأتُ كتاباً جديداً للصحافية ليزا ماندي، بعنوانThe Sisterhood: The Secret History of the Women at the CIA (الأخوة النسائية: التاريخ السري للنساء في وكالة الاستخبارات المركزية)، استرجعتُ ذكريات مزعجة لم أتمكن من تقبّلها منذ أن كنتُ أعمل في مجال التجسس. أثّر بي ذلك الكتاب بطرق لم أتوقعها. أدركتُ أنني قمعتُ الآثار التي تركها في داخلي عملي في عالم الرجال.

كانت وكالة الاستخبارات المركزية التي دخلتُها في ذروة الحرب الباردة حكراً على الرجال. في تلك المرحلة، بدأت الوكالة توظّف النساء في قسم العمليات الاستخبارية للتو، بدل حصرها في أعمال السكرتارية وأدوار ثانية أخرى. كانت شبكة عميقة من الضباط الرجال تتابع اتخاذ القرارات الحاسمة حينها.

عندما بدأتُ تدريباتي المكثفة كي أصبح ضابطة للعمليات الميدانية، نظرتُ من حولي إلى النساء العاملات أصلاً في وكالة الاستخبارات المركزية. لاحظتُ أن المرأة الأعلى رتبة كانت غير متزوجة وبلا أطفال، وبدت كئيبة وصارمة بشكلٍ مفرط.

أدركتُ أيضاً أنني لا أريد أن أصبح مثلهنّ. ألا يمكنني أن أكون ضابطة ناجحة وأبني أسرة في الوقت نفسه؟ لم تكن عبارات مثل «التحرش الجنسي»، أو «التمييز على أساس الجنس»، أو «الإهانات اللفظية»، أو «الانحياز اللاواعي»، تعني شيئاً للمجموعة الصغيرة من الضابطات اللواتي عملتُ معهنّ.

تُركّز ماندي في كتابها الدقيق والمثير للاهتمام على مساهمات الجاسوسات في وكالة الاستخبارات المركزية والعوائق في طريقهنّ. قد تبدو البداية بطيئة، فتعرض ملخصاً عن نساء دخلن أجهزة الاستخبارات الأميركية خلال الحرب العالمية الثانية. تدفقت آلاف النساء للاستفادة من فرص عمل قدّمتها الحرب في مكتب الخدمات الاستراتيجية الذي سبق ظهور وكالة الاستخبارات المركزية، فيما انجرّ الرجال إلى خوض حرب واسعة.

بعد الحرب، بدا وكأن حالة جماعية من فقدان الذاكرة سيطرت على واشنطن. تناسى البلد سريعاً دور المرأة الحيوي في جهود الحرب، فعادت النساء مجدداً إلى الوظائف الثانوية. أنشأ الرئيس هاري ترومان وكالة الاستخبارات المركزية في العام 1947، لكنها لم تبدأ بتوظيف فئات مختلفة عن الرجال البيض من حاملي شهادات جامعية من رابطة «آيفي» قبل مرور عقدَين آخرَين. لم تبدأ الوكالة بتوظيف نساء يتمتعنَ بالمستوى نفسه من الذكاء والشجاعة وقوة الإرادة لإتمام مهام سرّية قبل فترة السبعينات والثمانينات. أنا شخصياً استفدتُ من هذا التغيير، فانضمّيتُ إلى وكالة الاستخبارات المركزية لأنني أردتُ أن أخدم بلدي ولأن هذا النوع من المهام سيرسلني إلى الخارج. بدا لي هذا العمل أكثر إثارة مما يفعله زملائي.

في العام 1992، طلبت وكالة الاستخبارات المركزية إجراء «دراسة السقف الزجاجي» التي اكتشفت أن الرجال يصلون إلى مراتب أعلى من النساء داخل المنظمة. كانت النساء يشغلنَ 40 في المئة من المناصب الاحترافية في الوكالة، لكن اقتصرت نسبة الوظائف في جهاز الاستخبارات الأعلى المؤلف من كبار المدراء التنفيذيين على 10 في المئة. تكتب ماندي أن النساء في الوكالة أَجَبْن على أسئلة الدراسة بدرجة من الراحة لأنهنَّ افترضنَ على الأرجح أن ثقافة العمل هناك ستتغيّر أخيراً. في المقابل، شعر معظم الرجال بالارتباك.

ثم رفعت الضابطة السابقة في وكالة الاستخبارات المركزية، جانين بروكنر، دعوى قضائية ضد الوكالة في العام 1994 بتهمة التمييز الفدرالي على أساس الجنس بعدما واجهت تُهَماً مزيّفة بسوء السلوك المهني وتلقّت تهديداً بتخفيض رتبتها وفرض عقوبات جنائية عليها. انتهت تلك الدعوى القضائية بتسوية نقدية وباستقالة بروكنر من منصبها. عادت هذه الأخيرة إلى كلية الحقوق لاحقاً واستعملت شهادتها للتخصص في قضايا التمييز الفدرالي. في الوقت نفسه تقريباً، رفعت مجموعة من الضابطات دعوى قضائية يزعمنَ فيها أن وكالة الاستخبارات المركزية تطبّق نمطاً محدداً من التمييز على أساس الجنس. تذكر ماندي أن الوكالة اعترفت، في تسوية أُقرّت في العام 1995، بأنها «مارست تمييزاً منهجياً ضد العميلات السريات طوال سنوات»، كما كتبت صحيفة «لوس أنجلوس تايمز» في تلك الفترة.

تستعمل ماندي أسلوباً لاذعاً على نحو خاص حين تكتب عن النساء في «محطة أليك»: لاحقت هذه الوحدة التابعة لوكالة الاستخبارات المركزية تنظيم «القاعدة» حين ظنّ الكثيرون في واشنطن أنه لا يطرح تهديداً حقيقياً. عمد المحلل الذي قاد تلك الوحدة، مايك شوير، إلى تدعيم فريقه بالنساء. لم يتردد شوير في توظيف النساء، فهو أخبر ماندي بأنهنَّ كنَّ «خبيرات في رصد التفاصيل وربط المعلومات» بطريقة قد يغفل عنها الرجال.

مع تكثيف الأبحاث عن زعيم «القاعدة»، أسامة بن لادن، جمعت النساء المُكلّفات بتعقبه معلومات استخباراتية مهمة، لكن بدا وكأن إدارة جورج بوش الإبن لم تُعْطِ الأولوية لتوقعاتهنَّ التي كانت تزداد سلبية. في 6 آب 2001، كتبت المحللة باربرا سود من وكالة الاستخبارات المركزية مذكرة بعنوان «بن لادن مُصمّم على ضرب الولايات المتحدة». لم تجتمع حكومة بوش حينها قبل 4 أيلول 2001 لمناقشة ذلك التهديد. بعد مرور أسبوع، وقع هجوم 11 أيلول.

تتّضح مشاعر الحزن والذنب التي انتابت النساء اللواتي حذرنَ الحكومة الأميركية من هجوم محتمل طوال سنوات في كتاب ماندي. قالت لها ضابطة سرّية: «طوال سنتين من حياتي، كنت أحاول القيام بالصواب. ثم مات عدد من الناس وشعرتُ بأن اللوم يقع عليّ... لقد أثّر ما حصل علينا كثيراً». استعملت النساء غضبهنَّ لمطاردة بن لادن وصولاً إلى إلقاء القبض عليه.

في أول يوم لي من مهمّتي الخارجية، طُلِب مني أن أذهب لرؤية رئيس المركز الذي كان ضابطاً محترماً في وكالة الاستخبارات المركزية. دخلتُ إلى مكتبه وأنا أشعر بالتوتر، فرجع إلى الوراء بكرسيّه، ورفع قدمَيه على المكتب الخشبي الضخم ووضع سيجاراً غير مشتعل في فمه. هو لم يقل لي شيئاً، بل اكتفى بسحب السيجار من فمه وتحريكه كي يطلب مني أن أستدير. شعرتُ بالارتباك ورحتُ أدور قبل أن أقف أمامه مباشرة وفي عينيّ نظرة حيرة. فابتسم وقال: «نجحتِ في الاختبار». أدركتُ حينها أنه كان يقيّم شكلي الخارجي. كانت تلك التجربة مريعة.

تذكر ماندي أن الوضع تغيّر كثيراً منذ ذلك الحين. تحسّنت ظروف الضابطات في وكالة الاستخبارات المركزية اليوم، مع أنهنَّ يواجهنَ حتى الآن مظاهر ضمنية من التمييز والعوائق التي تحول دون نجاحهنَّ، بما يشبه وضع معظم النساء في مختلف المِهَن. قد يكون التقدم المهني الذي أحرزته المرأة واعداً، لكن لا تعترف ماندي بتجاوزات بعض النساء في الوكالة أيضاً.

هي تغفل مثلاً عن جلسة استماع في العام 2018، حيث اعترفت جينا هاسبل، أوّل امرأة استلمت إدارة وكالة الاستخبارات المركزية، بأداء دور بارز في واحدة من أحلك مراحل الوكالة: استعمال «تقنيات الاستجواب المطوّرة» التي تشير إلى أسلوب من التعذيب بعد هجوم 11 أيلول. ينطبق الوضع نفسه على فريدا بيكوفسكي، محللة سابقة في وكالة الاستخبارات المركزية تُعرَف بلقب «ملكة التعذيب»، وهي شاركت في إلقاء القبض على بن لادن. حبذا لو اعترفت ماندي بأن نساءً في مراكز السلطة والمسؤولية سبّبنَ الأضرار، وأطلقنَ أحكاماً مريعة، وفشلنَ في توجيه نساء أخريات، بقدر نظرائهنَّ الرجال.

قد يكون كتاب ماندي جاذباً ومثيراً للاهتمام، لكنه يحمل عنواناً غير مناسب على الأرجح. تجد المرأة في وكالة الاستخبارات المركزية مصدر راحة ومواساة بفضل صداقاتها مع نساء أخريات، وقد يتبادلنَ الدعم دفاعاً عن حقوقهنَّ المتساوية في بيئة يطغى عليها الرجال. لكن يترافق نضال النساء من أجل أبسط الحقوق، لا ضد الزملاء الرجال بل ضدّ بعضهنَ البعض، مع ثمن معيّن. يطغى مناخ من الشكوك والمنافسة غير الصحية على الأجواء حتى الآن، ما قد يؤدّي إلى إضعاف الأمن القومي الأميركي في نهاية المطاف.