"فليكيسمان" محطّم رادارات السرعة في إيطاليا..."بطل" للبعض ومخرّب في نظر آخرين (زاوية)

5 دقائق للقراءة

يثير رجل مجهول يسمّي نفسه "فليكسيمان"، يعمد إلى تحطيم رادارات رصد السرعة على الطرق، جدلاً واسعاً في وسائل الإعلام وعلى الشبكات الاجتماعية في إيطاليا، إذ ينظر إليه بعض الذين ضاقوا ذرعاً بغرامات المخالفات المرورية على أنه بطل، فيما يعتبره آخرون مخرّباً يعرّض حياة الناس للخطر.

فالسيارات والسرعة موضع شغف في بلد سيارات "لامبورغيني" و"مازيراتي" وطبعاً "فيراري" التي غالباً ما تخوض أحصنتها القافزة (في شعارها البصري) سباقات الفورمولا واحد، ومن أبرزها اثنان يقامان على حلبتي إيمولا ومونتسا الإيطاليتين.

من "فيات 500" الصغيرة إلى "لانسيا أوريليا" الأنيقة، تُعدّ السيارة من العلامة الخارجية للطابع الإيطالي، تماماً كالمعكرونة وجبن البارميجانو.

لكنّ لهذا الولع بالسرعة ثمناً باهظاً، بشرياً ومادياً، إذ يتجاوز عدد ضحايا الحوادث المرورية سنوياً ثلاثة آلاف قتيل، فيما تصل غرامات السائقين المخالفين إلى مئات اليورو. 

وفي مناخ عشق السيارات هذا، من الطبيعي أن يصبح "فليكسيمان" حديث البلد، وأن يثير ضجة أين منها هدير المحرّكات.

ومع أن الشرطة أوقفت الأسبوع الفائت رجلاً خمسينياً للاشتباه في إقدامه على تحطيم رادارَين لرصد السرعة في تشرين الثاني/نوفمبر، أوضحت السلطات أنه ليس "فليكسيمان" الذي عمَدَ إلى تخريب عشرات الكاميرات المرورية في الأشهر الأخيرة في الشمال، من بيمونتي إلى فينيتو مروراً بلومبارديا. 

واستُمِدَ لقبه من المطحنة الكهربائية التي يستخدمها في تحطيم كاميرات السرعة بقطعها من قاعدتها، على ما يتضح من لقطات كاميرات المراقبة التي يظهر فيها وقد أحفى وجهه بقلنسوة، إما بمفرده أو مع أحد معاونيه.

وأكدت الشرطة الإيطالية لوكالة فرانس برس أنها تعمل "ليلاً ونهاراً" لمحاولة القبض عليه.

وغالباً ما يوصف مخرّب رادارات السرعة هذا على شبكات التواصل الاجتماعي بأنه بطل سائقي السيارات الذين ضاقوا ذرعاً بالغرامات التي تفرضها الدولة، ويسبغ عليه مستخدمو هذه المواقع صفات الأبطال الخارقين. حتى أنّ قمصاناً تحمل صورته تُباع على منصة "أمازون" للتجارة الإلكترونية. 

وفي بادوفا (شمال إيطاليا)، خصص فنان غرافيتي لوحة جدارية له، تمثّل الشخصية الشهيرة التي أدّتها الممثلة أوما ثورمان في فيلم "كيل بيل" وهي تحمل سيفاً في يد وراداراً لمراقبة السرعة في اليد الأخرى.

- "رمز أنانية" -

وفي المقابل، تستنكر عائلات ضحايا حوادث الطرق أفعاله والدعاية التي تصاحبها.

وامتد الانقسام في شأنه إلى صفوف المسؤولين المحليين المنتخبين، إذ أن بينهم من يرفضون "السماح للمجرمين بالفوز"، فيما يمحضه آخرون التأييد، على غرار رئيس بلدية كادونيغي في منطقة فينيتو ماركو شيزارو. وقال شيزارو لوسائل الإعلام "لم أكن مقتنعاً أصلاً (بوجود رادار مراقبة السرعة في بلدتي)، وقررت عدم وضع كاميرا أخرى".

وبدورها، تتفاوت نظرة وسائل الإعلام إلى "سفّاح الرادارات". 

فبينما تشير صحيفة "ليبيرو" المقرّبة من الغالبية الحكومية المحافظة المتطرفة، إلى ما تصفه بأعمال "المقاومة" ضد "البيروقراطيين"، من دون أن تؤيد "فليكسيمان" جهاراً، نددت صحيفة "إل كورييري ديلا سيرا" المعروفة برصانتها بـ"الأخبار الكاذبة".

وكتبت الصحيفة الأولى في إيطاليا الجمعة "روبن هود يسرق من الأغنياء ليعطي الفقراء، أما فليكسيمان فيسرق الأرواح. إنه ليس بطلاً بل هو رمز جديد للأنانية". 

وفي عام 2022، قُتل 3159 شخصاً على الطرق الإيطالية، أي بواقع 53 قتيلاً بحوادث مرورية لكل مليون نسمة، وفق المفوضية الأوروبية، أي أكثر بقليل من النسبة في فرنسا (49)، وأقل بكثير من رومانيا (86) ولكن أكثر بمرتين ونصف مرة من السويد.

وأفادت هيئة الإحصاء الإيطالية أن القيادة المشتتة التي تشمل أنشطة تصرف انتباه السائق عن الطريق هي السبب الرئيسي لحوادث السير في إيطاليا (15 في المئة)، يليها عدم الالتزام بإشارات المرور (13,7 في المئة) والسرعة (9,3 في المئة).

والسرعة هي أيضاً محور الجدل الدائر بين مدينة بولونيا التي يتولى فيها اليسار السلطة المحلية وبادرت أخيراً إلى خفض الحد الأقصى للسرعة إلى 30 كيلومتراً في الساعة، ونائب رئيس الوزراء اليميني المتطرف ماتيو سالفيني الذي يتولى حقيبة النقل.

وعلّق سالفيني على قرار بلدية بولونيا، فوصفه في منشور عبر "إكس" بأنه "خيار أيديولوجي" يهدف إلى "تسهيل سماع تغريد الطيور".

وردت عليه جمعية "أسابس" للسلامة المرورية مذكّرة بأن لدى المشاة الذين تصدمهم مركبة تسير بسرعة 30 كيلومتراً في الساعة فرصة للنجاة بنسبة تراوح بين 80 و90 في المئة أكثر من الذين تصدمهم مركبة بسرعة 50 كيلومتراً في الساعة.

وإلى جانب المكانة التي تحظى بها السيارة على المستوى الشعبي في نظر الإيطاليين، يشكّل القطاع عنصراً تعوّل عليه إيطاليا في إبراز قدراتها الصناعية.

فمع أن مبيعات مجموعة "فولكسفاغن" الألمانية في كانون الأول/ديسمبر الفائت تجاوزت للمرة الأولى على المستوى الشهري مبيعات "فيات" الإيطالية، لا يزال القطاع يوفّر في إيطاليا أكثر من 200 ألف وظيفة ويحقق مبيعات سنوية بقيمة 150 مليار يورو. 

وفي الأسبوع الفائت، اتهمت رئيسة الحكومة جورجيا ميلوني مسؤولي مجموعة "ستيلانتيس" الناشئة من اندماج بين شركتي "سيتروين" و"فيات-كرايسلر" بـ"إعطاء الأفضلية" للمصالح الفرنسية.

ستر-غاب/ب ح 

Agence France-Presse ©