حسان الزين

الاحتجاج والاعتراض والعلاقة بالمجتمع

3 شباط 2024

02 : 02

أين حالات الاحتجاج وقوى الاعتراض؟ ماذا تفعل؟

البلد لم يخرج من الانهيار الاقتصادي والمالي والضائقة المعيشية والأزمة السياسية. وقوى السلطة، التي تسبّبت بالكارثة والمأساة، ما زالت ممسكة بالحكم والدولة، بل ما زالت تمارس نهجها التحاصصي والامتصاصي والتدميري في إدارة الدولة، وتعلّق الدستور وتخرق القوانين كما يحلو لها وتشتهي.

الكارثة والمأساة مستمرتان وتتفاقمان، والضياع سيّد الموقف.

لا شك في أن كثيرين وكثيرات يفكرون، ويتناقشون، ويبحثون، في تحركات وأنشطة وأطر وبيانات... وأكثر من ذلك. وهذا جيّدٌ ودليلُ قلق والتزام أخلاقي وثقافي وسياسي.

وهي فرصة، في ظل المتغيّرات الدولية والإقليمية وحال الانتظار التي عُلِّق بها لبنان، لطرح بعض الأسئلة للخروج من الصندوق الذي حُشرنا فيه.

سؤال: «أين حالات الاحتجاج وقوى الاعتراض؟ ماذا تفعل؟» ليست غايته مطالبتها بالتحرّك والتظاهر، بقدر ما الهدف منه هو العمل لتكون فعلاً لا ردّة فعل. فمنذ أن بدأت حشود 17 تشرين الأول 2019 تنفضّ وتنسحب من الشوارع والساحات، راح يتكشّف ضعف تأثير الحالات والقوى تلك، التي كانت قائمة سابقاً والتي تألفت خلال الانتفاضة، في «الجماهير»، بل وهن علاقتها بها. صحيح أنّ تصدّعاً حصل بتأثير قوى السلطة، ولا سيما أقواها، «حزب الله»، لكن الصحيح أيضاً أن «الجماهير» (ومزاجاتها) هي من يتحكّم بلعبة الشارع. ومع إخفاق حالات الاحتجاج وقوى الاعتراض في الارتقاء إلى العمل السياسي، من خلال إنتاج مشروع فكري وبرنامج سياسي وإطار تنظيمي؛ ومع الانشغال في تأليف مجموعات قائمة على انسجام الخطابات الفردية، اتسعت الهوّة وتعمّقت بين تلك الحالات والقوى وبين «الجماهير». وحصل فراق اليتيمين. وما زالا لا معلّقين ولا مطلّقين.

أين هما، وماذا يفعلان؟

الجواب في تواصلهما، وفي الشروع بترميم علاقتهما. فالمشروع الفكري والبرنامج السياسي والإطار التنظيمي... كل هذا لا يولد في لقاء مجموعة أو مجموعات، ولا في اجتماع كل حالات الاحتجاج وقوى الاعتراض واتفاقها.

لن يحصل قليلٌ من ذلك، من دون تواصل اليتيمين وحوارهما ومشاركتهما، معاً وسويّاً، في صوغ ما يجب صوغه وإعداد ما يجب إعداده، وفعل ما يجب فعله.

كيف يحصل ذلك؟

تمكن محاولة الإجابة باقتراح مزدوج، نظري وعملي:

1 - النظري، وهو قيمي وثقافي في الحقيقة: خروج حالات الاحتجاج وقوى الاعتراض من المساحات المقفلة، التي تتردد فيها أصداء الخطابات العقائدية والانقسامية والشعارات والعظات الأخلاقية، والتحرر من وهم امتلاك الإجابات والحقائق التي يجب أن يقتنع بها الناس ويتغير الواقع وفقها. وعلى قاعدة السؤال قبل الجواب، يجري الحوار بين المواطنين والمواطنات، بالتساوي، سواء أكانوا ناشطين أم لا.

2 - العملي وهو بنائي واستراتيجي في الحقيقة: هو الشروع في المناطق كلّها، لا في العاصمة بيروت فحسب، في إحياء الحياة الثقافية والاجتماعية والسياسية وتنشيطها. وذلك من خلال العمل الاجتماعي والثقافي والسياسي والمطلبي، لا من أجل بناء أطر تنظيمية و»جذب جمهور»، إنما بهدف بناء علاقات ومساحات عامة يتظهر فيها المجتمع وشؤونه ومطالبه وتطلّعاته، وأصواته، ويُنَاضل من خلالها، معاً وسويّاً، لأهداف اجتماعية وثقافية وسياسية ووطنية.

يُسهم ذلك في مجموعة من التراكمات، منها:

• وَصلُ ما انقطع بين حالات الاحتجاج وقوى الاعتراض والناس، وتمتين العلاقة وجعلها تفاعلية تشاركية؛

• إحياء روح المواطنة والعمل الجماعي المشترك في الشأن العام، وتنمية العمل والثقافة الديمقراطيين والقدرة على تنظيم القضايا والتحرّكات والأنشطة؛

• تجديد المقاربات السياسية والفكرية وجعلها أكثر ارتباطاً بالمجتمع والواقع وأكثر إحساساً بالمتغيرات،

• توفير البيئة المناسبة لإنتاج المشروع والبرنامج والإطار (أو أكثر).

• توفير أرض لنبوت قوى سياسية وفكرية أصيلة في المجتمع؛

• إعادة الاعتبار للتنوّع والتعدد في المناطق، وكسر الاحتكارات السياسية والحزبية والزعامتية لها؛

• حفر ووضع الحجر الأساس لتغيير العمل السياسي التقليدي في لبنان.

وكل هذا ضروري لخروج البلد، ومَن ومَا فيه، بما في ذلك حالات الاحتجاج وقوى الاعتراض، من الدائرة المغلقة والقاتلة.